[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/suodalharthy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]سعود بن علي الحارثي[/author]يلجأ الإنسان إلى صياغة وتوجيه وطرح السؤال للحصول على إجابة توضح له ما أشكل عليه وتفسر ما يتطلب أمره تفسيرا وتشرح ما التبس وصعب فهمه وإدراكه حول موضوع ما، قد يكون فقهيا أو لغويا أو سياسيا أو أدبيا أو اقتصاديا أو فلسفيا أو ضمن مادة ومنهج ودرس تعليمي.. أو تصرفا من التصرفات الغريبة في نظر السائل أو شأنا من شؤون الحياة أو حدثا غير معهود عند العامة أو ظاهرة تجاوز فهم أسبابها العقل العادي، أو قيمة بضاعة وسلعة من السلع، ويخطو الإنسان بسؤاله خطوة مهمة وأساسية للحصول على العلم واكتساب المعرفة والتحقق من المعلومة والوصول إلى الغاية، واستكشاف ما تخفيه الأنفس والعقول من معلومات وحقائق وما اكتسبته من حصيلة القراءات والأبحاث والتجارب والخبرات الإنسانية، فالسؤال هو واحد من أهم طرق التعلم ووسائله، وهو مفتاح المعرفة ومرتكز الباحث الجاد للوصول إلى نتائج دقيقة ومفيدة تكشف لها الحقائق والخلاصات، وتقوم فكرة الاستبانات بأنواعها وأغراضها على فكرة طرح الأسئلة، ويوجه السؤال عادة إلى الشخص المختص في المجال المرتبط به، ومن بلغ حصيلة واسعة ومتنوعة في الثقافة والمعرفة والعلم والخبرة والمكانة التي تؤهله للإجابة على السؤال وبما يحقق تطلعات السائل ويوصله إلى الغاية التي يسعى لها، ومن الأسس التي تبنى عليها الأسئلة لتحقيق الهدف أن تكون دقيقة في صياغتها مفهومة المعنى تحدد بوضوح ما يريده وينشده ويبتغيه السائل، وقد بنى معظم الفلاسفة والمفكرين مشاريعهم وأعمالهم الفلسفية والفكرية على طرح السؤال للوصول إلى الإجابات واستخلاص وبناء الآراء والملاحظات التي ضمنوها كتبهم، فلو لم يكن السؤال ما كانت الإجابة.. فبنية العقل العلمي تتخذ من "السؤال عمادها الرئيسي، فلولا لماذا ما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية عندما سقطت عليه التفاحة من علٍ ولما اكتشف أينشتاين قانون النسبية..". فالسؤال هنا هو المحرك للفضاء الفكري، وهو ما يقودنا ويبلغنا بحق إلى مرحلة النقد الذاتي والفكر الاستباقي وإلى المراجعة وممارسة التفكير والتحولات العلمية والوصول بالمجتمع والفرد إلى تحقيق التطوير والتقدم. ويطرح العديد من الكتاب والباحثين والعلماء في إصداراتهم ومشاريعهم الكتابية والبحثية والفكرية أو في محاضراتهم ومحاوراتهم أسئلة محددة واستفسارات معمقة تسعى إلى تأطير وتنظيم مسار الموضوع الذي يشتغلون به، وضبط محاوره وعناوينه، كمجال وأسلوب من الأساليب الذكية والفطنة التي تأخذ النص إلى فضاء أكثر رحابة وسعة وشمولية وتقبلا وإقناعا، أو بقصد التيسير على القارئ والمستمع وتبسيط المعاني وشرح الرسالة والمصطلحات المرتبطة بالموضوع. ويعبر السؤال أحيانا عن حالة تعجب واستغراب مفاجئين من موقف أو حدث أو ظاهرة طارئة لم يتم التنبؤ بها ولم تكن في الحسبان، والسؤال هو الفضاء الأهم والأبرز الذي تعتمد عليه العملية التعليمية، ووسيلة من وسائل التعلم، ومرتكز المعلم في المدرسة والمسؤول في المؤسسة لاكتشاف القدرات واختبار الطلبة والمتقدمين إلى الوظائف واجتيازهم المراحل التعليمية ومناهجها الدراسية بجميع تخصصاتها، ومعيارا مهما للتنافس على الوظيفة. وتطرح الأسئلة في المسابقات المختلفة التي تدخل ضمن البرامج والأنشطة الثقافية والاعلامية والاجتماعية والبرامج الرمضانية لتضيف ثراء معرفيا للمشارك والمتابع في مختلف المجالات والتخصصات وتؤكد على أهمية السؤال كأداة ترفد التعليم وتعزز النشاط الثقافي وتحفز على التفكير. وكان المعلم في المدارس التقليدية القديمة يقدم دروس الفقه واللغة والأدب على طريقة طرح الأسئلة بأسلوب شيق وذكي ومحبب يساعد على التركيز والفهم والمشاركة الإيجابية والتنافس على الإجابة بين الطلبة، يتبعها المعلم بالتصحيح والملاحظة والإضافة متى ما تتطلب الأمر ذلك. فالسؤال مكون مهم وعنصر رئيسي يدخل ضمن النسيج العام لحياة الإنسان في جوانبها المعرفية والثقافية والفكرية والمعيشية. ولا شك أن تشجيع النشء على طرح الأسئلة وتعويده على صياغة الاستفسار يعزز لديه حب الاستطلاع والبحث عن الإجابات على الكثير من الظواهر والسلوكيات والمشاهد الحياتية التي لا تسعفهم أعمارهم وخبراتهم وأبجديات المعرفة التي ما زالوا يتلمسونها من إيجاد تفسيرات أو مبررات أو أسباب ودوافع لها فيطرحون الأسئلة بحثا عن الإجابات وعن الحقائق التي تتطور تدريجيا في عمقها وغزارتها وتخصصها وبما يتناسب ويتفق مع تطور العمر والخبرة والمعرفة والثقافة، وتعويد الأبناء وحثهم على صياغة الأسئلة وطرحها تضعهم أمام الكثير من المسؤوليات التي ينبغي أن يضطلع بها الإنسان ليكون له دوره المهم في المستقبل وتعودهم على الجرأة في الطرح والقدرة على الحوار وتعزز إمكاناتهم الثقافية والبحثية. هذا بالنسبة للسؤال في صيغته الاستعلامية الكاشفة عن المعرفة بالشيء وفهم ما أشكل على السائل والاستيضاح عن كل شأن من شؤون الحياة ونشاط من أنشطة الإنسان في المنزل والسوق والمدرسة والجامعة وساحات العمل ومؤسساته والبحث عما يحقق التطور والتقدم والرقي بمكانته، ويضعه أمام مسؤولياته في إصلاح نفسه والإسهام في بناء وطنه وخدمة مجتمعه وإدراك ما له من حقوق وما عليه من واجبات دينية واجتماعية وإنسانية... وينبغي التفريق هنا بين الأسئلة الجادة التي تحقق غايات وأهدافا سامية ورفيعة، وفقا للأمثلة التي أشرنا إليها، وبين الأسئلة الجدلية العابثة التي تدور في مسار مغلق وتسعى إلى التشكيك في الثوابت، المعطلة للنشاط الإنساني في تحقيق الوعي والإصلاح والخير وتداول العلم والمعرفة، الداعية إلى طمس هوية وعلاقة الإنسان بثقافته وقيمه وموروثاته وعقيدته .. وتجريده من قيمه الإنسانية الجميلة، المثبطة للهمم والعمل وصناعة المستقبل وتحقيق التقدم والإبداع والابتكار... التي لا توصلنا إلى نتيجة واضحة وهدف معلن ولا تقدم بدائل مقنعة ومستساغة لمضامين ومحتوى ما تطرحه، فهي تسهم في هدم ما هو قائم دون أن تقدم بدائل أفضل وأنجع، وقد أضاعت أفرادا ومجتمعات وأسقطت حضارات ودولا عظمى، وأساءت إلى العلم والقيم وعطلت العقل البشري، وأشاعت أجواء من البلبلة والتشويش واللغط والإشكاليات الإنسانية، وأدخلت المجتمعات في مستنقع ومتاهات الأفكار والفلسفات والمذاهب والتيارات الغارقة أصلا في حالة اللاوعي واللا إدراك دون أن تقدم حلولا أفضل للإنسان، وليس من العيب ولا المحظور أن يطلع الإنسان على تجارب الآخرين وعلى مذاهبهم الفكرية وتجاربهم وخبراتهم وأنظمتهم السياسية ومناهجهم الأدبية والبحثية، وأن يرصد ثقافات وقيم وتقاليد الشعوب الأخرى وما وصلت إليه من تقدم وتطور، ليستفيد منها فيراكم خبراته ويسجل ملاحظاته ويأخذ منها ما يراه مهما ومفيدا لأمته ومجتمعه بل هو أمر مطلوب وجهد مقدر، أما أن يأخذ تلك المناهج والأنظمة والمذاهب فيتبناها ويروج لها، ويسعى لإسقاطها على مجتمعه المختلف كليا في ثقافته وقيمه وتقاليده ونظامه السياسي ومعتقداته الدينية، وما أن يرفضها مجتمعه حتى يكيل له سيلا من الاتهامات التي تصفه بالتخلف والجهل والتمسك بقيم وثقافات بالية فذلك مما يتعارض مع مكانة العلم والمعرفة ويضعف من دور السؤال وغاياته في اكتساب المعرفة والبحث عن المعلومة والحصول على الحقيقة، ويصرف الإنسان عن مسؤولياته الحقيقية، ويفضي به إلى حالة من القلق والارتباك والالتباس ويفقده الطمأنينة والاستقرار.