عندما تستعرض شريط حياتك تكتشف أن السنوات التي تستطيع فيها العطاء والإنجاز محدودة، فلا الطفولة ولا الشيخوخة مرحلة عطاء، بل أنت فيها بحاجة لمساعدة الناس، ولن يبقى لك سوى مرحلة الشباب، وبين ليلة وضحاها تنقضي مرحلة الشباب والعطاء والإنجاز، فلعمري ما الحياة إلا دقائق وثوانٍ، فاستثمر تلك المرحلة بحكمة وذكاء، ولا تدعها تمر مر السحاب، بل خطط لدقائقك وثوانيك فيم تقضيها؟ وكيف تستثمرها؟من منا لا يسعى للأجر والثواب، ومن منا لا يجتهد لفعل الخيرات ليزيد من رصيد حسناته، ولكن الاستثمار الحقيقي في صدقة جارية يستمر ثوابها وأجرها في الزيادة والنماء حتى وأنت في الدار الآخرة، فلك أن توقف مبنى يستثمر لفعل الخير، ولك أن توقف بئر ماء، أو غير ذلك من الأوقاف والصدقات الجارية، وهذا النوع من الوقف يتطلب مبلغا من المال، ولكن هل تعلم أنك تستطيع أن توقف ولكن دون أن تدفع ريالا واحدا؟! فأنت تستطيع أن توقف جزءا من عمرك لله، أنت تستطيع أن توقف جزءا من وقتك، فتخصص ساعات معينة ثابتة من وقتك لعمل الخير ومساعدة الناس، كأن تخصص خمس ساعات خلال إجازتك الأسبوعية.نعم إن مساعدة الناس وباللغة العصرية (التطوع) لها أجر كبير، فقد قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إلى غَيْرِهِمْ". فقضاء حوائج الناس أو التطوع من أحب الأعمال لله تعالى؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله سُرُورٌ تُدْخِلُه على مسلم أو تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً أو تَقْضِي عنه دَيْنًا أو تَطْرُدُ عنه جُوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخي المسلمِ في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا، ومن كفَّ غضبَه سترَ اللهُ عورتَه، ومن كَظَمَ غَيْظَه ولو شاء أن يُمْضِيَه أَمْضاه ملأ اللهُ قلبَه رِضًا يومَ القيامةِ، ومن مشى مع أخيه المسلمِ في حاجةٍ حتى تتهيأَ له أثبتَ اللهُ قدمَه يومَ تَزِلُّ الأقدامُ، وإنَّ سُوءَ الخُلُق لَيُفْسِد العملَ كما يُفْسِدُ الخلُّ العسلَ".. أخرجه الطبراني في الأوسط.فاغتنم عمرك، واغتنم شبابك، واخرج من بيتك قاصدا مساعدة الناس، اخرج من بيتك ساعات محددة من كل أسبوع لمساعدة الآخرين، وابحث عن مجالات التطوع لتقضي حاجة الناس، فتطوع لتقدم خدمات لحيِّك ومنطقتك أو أي منطقة في بلدك كأن تسهم في تزيين جدران الأحياء، وتنظيف بعض مناطقها، وفي تشجيرها، تطوع لمساعدة الأسر كأن تساعدهم في صيانة المنزل وتحسين وضعه، أو تساعد الطلبة في المذاكرة، فتقدم لهم دروسا مجانية، وتذكر أن تقديم الدروس على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المواقع الإلكترونية هي أحد أبواب التطوع، وتطوع لمساعدة المرضى ومساندتهم نفسيا ومساعدة أسرهم، وتذكر أن في أروقة المستشفيات مجالات لا تحصى للتطوع بالوقت لمساعدة الناس في أزمتهم، وتطوع بوقتك لمساعد الفئات الضعيفة في المجتمع من معوقين ومسنين، وأبدع وتميز في مساعدة الناس وتحسين أحوالهم وتفريج كربتهم، فقد أنعم الله عليك بالصحة والوقت والقدرة على العمل والإنجاز، فجد مما أنعم الله به عليك، وتذكر أن الناس بحاجة لك، وتذكر أن ما اتخذته من عادة من عمل صالح يحتسب لك أجره حتى لو لم تستطيع عمله، فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.إن من يقضي وقته في قضاء حوائج الناس والتطوع بوقته لمساعدتهم، يغنم دعاءهم له حتى بعد موته، ويغنم حبهم له، فأسعد الناس بقضاء حوائجهم وتذكر قول الشاعر:أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهُم * * * فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُوكُنْ على الدّهرِ مِعْوَانًا لذي أملٍ * * * يرجو نَداكَ فإنّ الحُرَّ مِعْوانُواشْدُدْ يديك بحبلِ اللهِ معتصمًا * * * فإنّه الرّكنُ إنْ خانتك أركانُمن كان للخير منّاعًا فليس له * * * على الحقيقة إخوانٌ وأخْدانُمن جاد بالمال مالَ النّاسُ قاطبةً * * * إليه والمالُ للإنسان فتّانُوأختم حديثي إن قضاء حوائج الناس والتطوع لخدمتهم وخدمة المجتمع يحتاج لإخلاص في النية وصدق في العطاء، وصفاء في النية، فاحذر الرياء، واحذر من أن يستهويك مديح الناس فيجرك ذلك الشعور إلى الرياء والعياذ بالله فيحبط عملك، فاطلب بتطوعك الأجر والثواب ولا تنتظر مكاسب الدنيا... ودمتم أبناء قومي سالمين.نجوى عبداللطيف جناحي كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] @Najwa.janahi