سيرة الفن في واقع فرضه الحظر المنزليكتب ـ خميس الصلتي:في شهر مارس من العام الجاري، فرض الحجر الصحي المنزلي نفسه ضيفاً ثقيلاً لا بدّ منه، مع انتشار فيروس كورونا الجديد (كوفيد - 19) في أكثر من دولة حول العالم، وما رافقه من حالة ذعرٍ وهلع لدى العديد من الأشخاص الذين يحرصون على اتّباع الإرشادات الوقائية تفادياً للإصابة به. وإذ يبادر البعض إلى عزل نفسه تلقائيّاً بعد سفر أو شكوك بالإصابة، يلتزم آخرون العزل بناءً على طلب الطبيب المتخصّص، في حين لا يأبه آخرون باتخاذ أيّة إجراءات ويواصلون حياتهم بشكل اعتيادي. بتلك المقدمة تواكب الفنانة العمانية انعام احمد سيرة الفن التشكيلي، حيث التفاعل المباشر مع الحجر الصحي المنزلي وما ترتب عليه أحداث متداخلة.نمط مختلففي هذا الشأن تقول الفنانة انعام: كجميع المواطنين والمقيمين على هذه البلد المعطاء لازمت منزلي طيلة فترة الحجر المنزلي، ولجأتُ إلى نمط حياة مختلف عن الروتين اليومي النمط الذي كنا نُحرم منه بسبب ضغوط العمل. شاهدتُ كثيراً من الأفلام وقرأتُ بعض الروايات والكتب التي كُنت دائماً أؤجل قراءتها او الانتهاء منها بسبب الانشغالات اليومية، وحاولت التكيف مع ظروف الحجر المنزلي الذي شكل فرصة لمزيد من التقارب الأسري عبر الوسائل الحديثة المتاحة أو إتقان مهارة معينة أو ممارسة هوياتي المفضلة وهي "الرسم" فكلما بقيت في المنزل لفترة أطول، كلما كنت أكثر إبداعًا مع أعمالي الفنية.وتضيف الفنانة انعام أحمد التي قدمت نماذج متعددة من اللوحات الفنية قامت برسمها مع ألوان الاكريليك على القماش، والتي تقترب كثيرا من حياة الأنثى ومساراتها الحياتية المتقاطعة: أن فترة الحجر المنزلي وقت ثمين يجب استثماره واستغلاله، فبجانب تأديتي لعملي المكتبي من المنزل وبمساعدة التقنيات الحديثة كان هناك ايضاً وفرة من الوقت لذا قررت أن أبداء برسم سلسلة أعمال فنية جديدة لطالما كنت أحلم بهذا الكم الكبير من الوقت.لوحات مغايرةمن بين اللوحات الفنية التي أنجزتها الفنان انعام لوحة بعنوان "(كوفيد-١٩)، وهنا تشير إلى تفاصيلها حيث تقول: بدأت بأول عمل وهو عبارة عن فتاة تضع على وجهها (الماسك) وذلك بغية توعية المجتمع لضرورة ارتدائه كإجراء احترازي للحد من انتشار المرض. أما اللوحة الثانية فكانت بعنوان "ليلة الحنا" وهنا تشير انعام بقولها: تتالت الأعمال الفنية الواحدة تِلو الأخرى، فرسمت عمل فني يُجسد ليلة الحنا العمانية والعروس وهي في (الحجله) التي تُكسى بأقمشة من اللون الأخضر تعلوها بعض الحُلي التقليدية العمانية (كالمُرية والبنجري المشوك) ومن حولها النساء واحدة تحنيها بالحناء وأخرى تهويها بالمروحة السعفية (المشبة) وأخريات يغنون الأغاني الشعبية المخصصة لليلة الحنا و يصفقون في تشكيلة جميلة من الفرح والسرور والبهاء.أما اللوحة الثالثة التي تقدمها أنعام للمتلقي هي لوحة "عروس السبعينات" وهنا تشير: رسمت لوحة اخرى تسمى ب (عروس السبعينات) والتي اقتبست فكرتها من إحدى العزيزات على قلبي (رحمها الله) والتي تزوجت في سبعينيات القرن الماضي وهي ترتدي زي العروس الأبيض مع بعض من الحُلي العمانية التقليدية. لا تبتعد انعام عن واقع المرأة وتجلياتها المتعددة، وهنا تشركها في العديد من أعمالها التي قدمت خلال فترة الحجر الصحي من خلال لوحة "فن أبوزلف"، فتوضح بحديثها: من الأعمال التي رسمتها أثناء الحجر المنزلي لوحة (أبوزلف)، الذي يعد أحد أهم الفنون في المنطقة الشرقية بالسلطنة والذي يعتمد على الغزل ويشارك في تأديته كل من الرجال والنساء جنباً إلى جنب حيث يحظى هذا الفن بجماهيرية كبيرة ويؤدى في المناسبات الشعبية والأعراس في مشهد جميل ملون بألوان الزي الصوري العماني المميز سواء النسائي أو الرجالي.واقع التيهمن بين اللوحات المتميزة التي أنجزتها انعام خلال هذه الفترة لوحة "التيه"، وتجسد هذه اللوحة فتاة وفوق رأسها الطاووس في دلالة على الغرور والزهو بالنفس، وهنا توضح أنعام: يعتبر الطاووس أجمل الطيور التي تعيش على الأرض، ويُطلق عليه لقب ملك الطيور وأكثر ما يميز الطاووس عن الطيور الأخرى هو ذيله ذو الريش الملون، والذي يقوم الطاووس الذكر بفرده على شكل مروحة كبيرة خلفه، وهو يُعرف بين الناس عادة بصفات الجمال والزهو، والكبرياء، والغرور، ويتميز بمشيته التي تعكس الثقة والتألق، ويرفض عادة الاختلاط بالطيور الأخرى المدجنة، حيث انني وددت في إيصال رسالة أن الغرور من أسوء الصفات التي يجب على الإنسان مقتها وعدم التحلي بها! لأنها صفة من صفات إبليس الذي تكبر وامتنع عن السجود لنبينا آدم عليه السلام وقال :أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين". كما أن نصيحة لقمان لابنه في التواضع وهي لكل مسلم ومسلمة وليست لابن لقمان وحده يقول الله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً) ، فإن الغرور يتناقض مع الثقة بالنفس وينسى المرء ثمار النعمة وفضل المنعم وذلك لأنه آفة خطيرة وسرطان نفسي، إذا تغلغل في عقل الإنسان واحتل خلايا دماغه يصبح من العسير بل من المستحيل استئصاله، فيسري في خلايا الفكر ويتلف أنسجة التمييز ويقتل في الإنسان المزايا النبيلة ويدمر القيم الإسلامية ويستبدلها بغرائز دخيلة لا تمت للتكوين السوي.