عبدالعزيز العميري:
عندما يرحل شاعر تبقى قصيدته الأخيرة معلقة لا تكتمل ، تظل بنهاية مفتوحة، تفيض روح الشاعر ويترك رياح الأسئلة تعصف بمن حوله عن جملته الأخيرة، عن آخر إحساس مر بقلبه، عن طعم الموت، عن اللحظة التي توقف فيها قلبه، عن القصاصات التي تركها خلفه.

عندما يرحل شاعر، يمر بالذاكرة شريط طويل من الشعراء الذين رحلوا جسدا، وظلت قصائدهم ترددها حناجر الزمن، وتنشدها عصافير الحنين كلما هبت رياح ذكراهم.

لماذا يرحل كل الشعراء بصمت غريب؟ هكذا يباغتهم الموت فجأة، كما فعل مع الكثير منهم ، وهكذا فعل مع الشاعر السوري الراحل عبدالناصر الحمد.

رحل عبدالناصر محملا بالحزن، ولم يجد من يشتري حزنه ومواله الأخير:

(بياع من يشتري حلمي ومواويلي

ينطيني قلبه الخلي وياخذ سهر ليلي

مليت من حسرتي واللي هدم حيلي

بيعوني تالي قلب ماضل قلب ليّه)

أنت لم تتوقف للموت يا عبدالناصر، بل الموت هو الذي توقف من أجلك، كما فعل تماما مع إيملي دينكسون التي صورته بعربة تجرها خيول برية، حملها وهي تقول ( لأني لم أتمكن من التوقف للموت، بكل طيبة، توقف هو من أجلي، ولم تحمل العربة سوانا والفناء)، ها هي العربة تأتي مسرعة تجرها خيولٌ بيض، تتوقف على عتبة بيتك في دير الزور، تطرق عليك الباب؛ فتجدك أعزل إلا من قصائد وقصاصات قديمة، تاخذك وتشق طريقها خلف الضباب حتى تختفي.

من يغني من بعدك لغيلان الدمشقي ، ولضفاف الفرات، ليتك أسعفتنا بأبوذية حزينة تعيننا، ونحن عبثا نحاول أن نكتب نزفا يليق بتأبين شاعرٍ مر على الذاكرة كسحابة محملة بالمطر، أنبتت في مفازات السنين زيتونا ونخلا ورمانا. قصائدك لازال عطر الياسمين الدمشقي يفوح منها، وتفوح منها رائحة تنور أمك، وقهوة والدك وهيلها، وبيتك المهجور:

(صحابي يالحنين لبيتنا المهجور

لوجه أمي الحبيبة اللي يفيض بنور

وجارات الوفا التمن

أحاديث وخبز تنور*)

قلبك المحمل بالحب بالسفر بالأغنيات، اختار تربة وطنه لكي يتوقف بها، يارفيق الشعر لازال هناك سماوات تتسع للقصائد، لازالت على الضفة الأخرى من الفرات قصيدة، ولا زال سعدون جابر ينتظر منك أغنياتٍ لم تكتب، هاهم أصحابك ورفاق الطفولة يطرقون عليك الباب، طرقوا كثيرا، لكن قلبك لم يكن باب البيت:

(ياريت قليبي باب البيت

كل ما دقوا اصحابي

يدق قلبي فرح وسرور

ما ظلت سوى الذكرى واغاني في مهب الريح

تجبر خاطري المكسور)

يتراقص حمام البيت حزنا عليك، لم يبق بعدك سوى صدى أبوذية حزينة يرددها والدك، ويفيض معها نهرٌ من الحنين، فات موعدك مع شاي أمك، برد الشاي في أكوابه، وذبلت أوراق النعناع:

وفاح بي الحنين لريحتش يمه)

وابويه ولمة اخواني

لقعدتنا وسوالفنا

ونخلنا وطيب جيراني

لأبوي وقهوته وهيله

وابوذياته كل ليله

وحمام البيت يتراقص

على صوته وموايله

وشايش بالعصر يمه

ونعناعه يهد حيله)

من يطبطب على جرح القصيدة من بعدك؟ من يلمم جراح ملايين النجمات التي رافقتك وحرستك في طرقات سفرك منذ صباك وحتى ليلتك الأخيرة؟ ها هي اليوم تتهاوى، تتلامع دموعها وهي تقف حارسة على قبرك تتلو عليه ما تيسّر لها من نور، تؤنس وحشتك، وتسامرك كلّما أظلم الليل. نم يا رفيق الشعر، تحفك صلواتنا ودعواتنا حتى حين - سنلحق بك - يوما ما ستكون لنا قصيدتنا التي لن تكتمل!

*جميع الأشعار التي وردت من نصوص الشاعر.
*شاعر عماني