د. يوسف بن علي الملَّا:
نحن ندرك أن السعادة يمكنها التنبؤ عن الصحة وطول العمر في بعض الأحيان، ويمكن استخدامها كمقياس لقياس التقدم الاجتماعي أيضا، وبالتأكيد الجميع يريد أن يكونوا سعداء. ولكن أي نوع من السعادة يريد الناس؟ هل هي تجربة السعادة بلحظتها؟ أم أننا عندما ننظر إلى الماضي أو الوراء نتذكر أوقاتنا السعيدة؟ وهذا بداية يستدعني للقول بأن السعادة هي كالفراشة، عندما تتبعها دائما ما تكون خارج قبضتك، ولكنها إن جلست بهدوء قد تحترق!
حقيقة يبحث الناس عن السعادة هنا وهناك، وقد يحاول البعض وبشكل مستمر إيجاد تلك الصيغة العجيبة لجعل حياته أكثر سعادة. وربما هي حقيقة الإنسان أنه يطمح دائما أن يكون أفضل وأن يكون سعيدا. ولكن بالنظر من حولك ترى أن الناس قد يتساءلون عن سعادتهم عندما يحدث شيء مهم بحياتهم؟! ما أعنيه أنه ربما تجارب الإنسان الحياتية تطلقه لاكتشاف ذاته، هل هو فقدان شخص عزيز عليك؟ أم فقدانك لوظيفتك؟ أم تقاعدك من عملك؟ أم هو تغيير للصديق والشريك أو حتى تغيير المكان...؟ هي تجارب ولكن مع ذلك، بالنسبة للعديد منا، فإن مفتاح السعادة غالبا ما يكمن في أنفسنا، مخفيا في اللاوعي لدينا كبشر.
من ناحية أخرى، السعادة مثلها مثل العواطف الأخرى، ليست شيئا تحصل عليه، ولكن بالأصح شيئا تعيشه. عندما ترتبك وتغضب وأنت تقود سيارتك على سبيل المثال، نتيجة لزحمة المرور فأنت لا تشعر بالوعي الذاتي بشأن حالة الغضب، حقيقة هنا أنت لا تفكر بنفسك (هل ما أفعله صحيحا؟)، أنت فقط تعيش الغضب وتتبنَّاه! من أجل ذلك من المهم إدراك أن إيجاد السعادة لا يتحقق في حد ذاته، وإنما هو الأثر الجانبي لمجموعة معينة من تجارب الحياة المستمرة. ما أود الإشارة إليه هو أن أغلب الناس تصنع مراحل معينة بحياتها، وعندما تحقِّق تلك المرحلة فهي بكل تأكيد تمتلئ بالفرح والسعادة، وبالتالي بهذه المرحلة ـ وإن صحَّ لي التعبير ـ فهو قد أزاح العبء العاطفي والعقلي السابق، وبدأ بالاقتراب من المرحلة التالية من حياته بنهج أخف. فمن إيجاد عمل، أو الاستعداد للزواج مثلا، يشعر الشخص بالسعادة، ويستعد لمواصلة هدفه التالي لتحقيق السعادة له.
بطبيعة الحال، هنالك جانب آخر يجب أخذه بعين الاعتبار وهو علم السعادة. فالمواد الكيميائية العصبية مثل الدوبامين والسيروتونين قد تختلف من شخص لآخر، ما يجعله يشعر بالسعادة بشكل أكثر أو أقل في الحياة. فهل أحدهما أو كلاهما يجعلك سعيدا؟ حقيقة كلتا المادتين عاملان مثبت علميا أهميتهما في الاستقرار النفسي بشكل عام، فجسمك يحتاج إلى كليهما، لكنهما ليسا الشيء الوحيد الذي تحتاجه لتكون سعيدا. ومن هنا قد نلاحظ أن هنالك أسبابا أخرى درست، ومفاهيم جيدة تطورت خلال العشرين سنة الماضية، ولعل منها مفهوم علم النفس الإيجابي، والذي حقيقة جاء لِلفت انتباه علم النفس نحو العناصر الإيجابية التي ستساعد الناس في زراعة حياة أكثر سعادة.
ودعني هنا أُبسِّط طريقة سهلة، ولكنها مفيدة لتعزيز مقياس السعادة الخاص بك، وهو محاولة البقاء بمكان فيه طقس جيد لمدة نصف ساعة مثلا كل يوم. بمجرد البقاء في الطقس الجيد والجميل يمكن أن يكون معززا حقيقيا في مزاجك الإيجابي، ويمكن أن يساعد أيضا في تحسين الذاكرة. وهذا يقودنا جميعا إلى إدراك أهمية الطقس وتأثيره على السعادة، وربما ارتباط السعادة الذاتية بدرجة الحرارة، وهذا إلى حد ما أكدت عليه إحدى الدراسات أن درجة الحرارة عند 13.9 درجة مئوية قد يزيد بل ويعظِّم من مقياس السعادة! ناهيك أن التمارين الرياضية وتناول الغذاء الصحي لها أيضا أدوار مهمة في رفع حاصل السعادة، وتلك حقيقة بيِّنت في الكثير من الدراسات والتي أكدت أن الأشخاص النشطين جسديا لديهم خطر أقل بالنظر إلى الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب. فممارسة الرياضة اليومية تطلق البروتينات والإندورفين الذي يمكن أن يجعلك تشعر بتحسن، إضافة إلى تناول الأطعمة مثل الدواجن والأسماك والحليب والموز والتي تساعد لفرز الدوبامين، والذي بدوره ينظم مراكز المكافأة والفرح في الدماغ. من ناحية أخرى، فعامل النوم الجيد مهم لإبقائك سعيدا، على أن يكون النوم الهادئ لمدة 6-8 ساعات كل يوم، وهو بلا شك يعمل على تهدئة عقلك، والتأكد من شعورك بالهدوء والتأقلم طوال اليوم.
في جميع الأحوال، أعتقد أن السعادة هي الاختيار وليست فقط نتيجة للظروف الحالية، فلا تقع في فخ التفكير أنه يجب أن تتغير ظروفك قبل أن تكون سعيدا؛ لأنك لن تصل أبدا. فعندما نذكر تجربة السعادة في الحياة، يجب دائما أن لا نفكر في العواطف قصيرة المدى على الإطلاق، بل نفكر بنوعية الحياة التي نعيشها وبنظرة طويلة المدى عن معنى كلمة السعادة! فتجربة الرضا عن الحياة طويلة المدى هي أصلا تكونت من مشاعر الفرح والمتعة على المدى القصير. إضافة إلى ذلك، إذا كنت تنتظر ما يكفي من المال لتصبح كريما، فلن تصل إلى هنالك أبدا، بل المفروض أن تختار أن تكون كريما مع وقتك ومالك مع قليل من الانضباط في حياتك لتكون سعيدا اليوم وغدا. ومن المهم إدراك أن العلاقات الوثيقة مع أصدقائك وأسرتك أهم من المال والشهرة، وهي التي تجعل الناس سعداء طوال حياتهم، بل وتساعدهم على تأخير التدهور العقلي والجسدي مع الأيام. ولعلي أذكر أن الطريق الأكثر فعالية لتحقيق السعادة الدائم ليس بالنظر فقط إلى مصالحك الخاصة، ولكن أيضا إلى مصالح الآخرين. فعندما نحول تركيزنا عن أنفسنا، فإننا نعيش حياة ذات معنى أكبر وأعمق، ولذلك فليس بالأمر الهيِّن أن السعادة يسعى إليها الكثيرون.
بالنهاية، يمكننا بناء عادات دائمة تزيد من مرونتنا وتحسن مستويات السعادة لدينا، وبالتأكيد اختيار السعادة ورحلتها هي أكبر هدية يمكنك تقديمها لنفسك وللآخرين.

*طبيب، مبتكر طبي وكاتب