.. وثانيًا: المصدر من مادة (ش ف ى) لفعل شفى يشفي باب ضرب، وقد جاء مكررًا في أربعة مواضع، الأولى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)(يونس ـ ٥٧)، (شِفَاء) مصدر سماعيّ للفعل شفى يشفي باب ضرب، ثمّ جُعل وصفًا للمبالغة، أو هو اسم لما يشفي كالدواء، وزنه فعال بكسر الفاء، وفيه إعلال أو إبدال بقلب حرف العلّة همزة، أصله شفاي، فلمّا تطرّفت الياء بعد ألف ساكنة قلبت همزة، وإعراب (وَشِفَاءٌ) (الواو) عاطفة، (شفاء) معطوف على موعظة فاعل مرفوع،و(اللام) حرف جرّ (ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بنعت لشفاء،هذا إذا كان (شفاء) اسما بمعنى دواء.. وإذا كان مصدرًا فإن (اللام) زائدة للتقوية و(ما) في محلّ نصب مفعول به لشفاء، انظر (الجدول في إعراب القرآن 11/ 149)،والمعنى: نزلت في قريش الذين سألوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أحق هو؟ فالناس هم كفار قريش، وقال ابن عطية: هو خطاب لجميع العالم، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر الأدلة على الألوهية والوحدانية والقدرة، ذكر الدلائل الدالة على صحة النبوة والطريق المؤدي إليها وهو القرآن، والمتصف بهذه الأوصاف الشريفة هو القرآن، قال الزمخشري: أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد، هو شفاء أي: دواء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق ورحمة لمن آمن به منكم، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة، والهدى إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال، والإشراق إلى حيث تصير تكمل الناقصين وهي النبوة، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية، لا يمكن تأخر ما تقدم ذكره، ولا تقدم ما تأخر ذكره.. انظر(البحر المحيط في التفسير 6، ألّفه أبو حيان الغرناطي / 74) عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إني أشتكي صدري، فقال: اقرأ القرآن، يقول الله:(وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) أخرجه ابن المنذر وابن مردويه ، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع: أن رجلاً شكا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وجع حلقه قال:(عليك بقراءة القرآن والعسل فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء)، والشفاء في الأصل مصدر جعل وصفاً مبالغة أو هو اسم لما يشفى به أي يتداوى فهو كالدواء لما يداوى به، وإنما خص الصدر بالذكر لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه، وداء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، والقرآن مزيل لأمراض القلب كلها، انظر (فتح البيان في مقاصد القرآن 6/ 82)،والثانية:(ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل ـ69)،(شفاء) مصدر واقع مبتدأ مؤخّر مرفوع (للناس) جارّ ومجرور متعلّق بشفاء،أو هي لام التقوية، والمجرور بها منصوب محلّا مفعول به للمصدر شفاء،وجملة (فيه شفاء) في محلّ رفع نعت ثان لشراب، والجدير بالذكر التنكير: في قوله تعالى:(فيه شفاء)، وتنكيره إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل، وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن رجلًا جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: اذهب واسقه العسل، فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: (اذهب واسقه عسلًا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك) فسقاه فشفاه الله فبرئ، وكذلك أيضًا، الالتفات: في قوله تعالى:(مِنْ بُطُونِهَا)إلى آخر الآية، التفات من الخطاب إلى الغيبة، ولو جاء الكلام على النسق الأول لقيل من بطونك، وإنما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر للبشر العسل وأوصافه وألوانه المختلفة، وأخبرهم أن فيه فوائد شتى لهم، ليلفت انتباههم إليه. ولو قال من بطونك لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة. (الجدول في إعراب القرآن 14/ 35)،فإنّ قيمةَ العسلِ العلاجيةَ أضعافُ قيمتِه الغذائيةِ، ففوائدُه العلاجيةُ في مختلفِ أجهزةِ الجسمِ، وأعضائِه، ونُسُجِه ثابتةٌ، بل تفوقُ الحدَّ المعقولَ؛ كيف لا، وقد قال اللهُ عز وجل:(يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ)،فماذا عن إعجازِ نظمِ هذه الآيةِ؟ فلنَدَع الأمرَ لِرَاويهِ وعالِمِ عمِلَ أستاذٌ من الأساتذةِ في الجامعةِ أربعين عاماً يدرِّسُ علمَ تربيةِ النحلِ، وحينما قرأ قولُه سبحانه وتعالى:(وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)(النحل ـ 68)، أخذتْهُ دهشةٌ لا حدودَ لها؟ لأنَّ ترتيبَ هذه الآيةِ ونظْمَها، ومدلولَ كلماتِها، وروعةَ إشاراتِها تتوافقُ مع أحْدثِ نظرياتِ النحلِ، بل إنّه لم يكن للعسلِ وقتَ نزولِ هذه الآيةِ الدورُ الذي عُرِفَ الآن، لقد كان العسلُ وقتَها غذاءً، فصار اليومَ دواءً، كان مادّةً حلوةَ الطّعمِ، فصار اليومَ صيدليةً بأكملِها..انظر (موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة 2/ 217)، بترقيم الشاملة آليًا، والثالثة:(وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء ـ ٨٢)،(هو) ضمير منفصل مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ وشفاء خبر مرفوع،وجملة (هُوَ شِفَآءٌ) لا محلّ لها صلة الموصول (ما) (الجدول في إعراب القرآن 15/ 102)، والمعنى وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء. فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقاداتالباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب،وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرًا من الأمراض لأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم المشتمل على ذكر الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين سببا لحصول النفع في الدين والدنيا، ويتأكد ما ذكرنا بما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى، وأما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والقرآن هو الشفاء(تفسير الرازي.. مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 21/ 389)، وأما الرحمة ألا تبتلى بالألم من أول الأمر، والحق سبحانه وتعالى يقول:(وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)(الإسراء ـ 82)، الشفاء هو أن تكون مصابًا بداء ويبرئك الله منه، لكن الرحمة، هي ألا يأتي الداء أصلًا (والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(تفسير الشعراوي 2/ 936) .. ويتواصل حديثنا مع القرآن الكريم حول حديثه عن الأمراض والأوبئة .. أسأل الله تعالى أن يحفظنا جميعًا. محمود عدلي الشريف [email protected]