الشكل الظاهري لما يحدث في بحر الصين الجنوبي يوحي بأنه عملية استعراض قدرات عسكرية أشبه بـ«حرب فاترة» بين واشنطن وبكين، ففي الوقت الذي تلعب فيه أميركا دور المهاجم القادر على الاختراق وتصدير القلق، تبدو الصين في صورة المدافع الصلد الفخور بردع أي هجوم وكسر أي تحدٍّ..
أسبوع عاصف يمر به بحر الصين، والعصف لا يأتي من تلاطم الأمواج أو اختلال عوامل الطقس؛ إنما من السفن الحربية التي تسبح على سطح مياهه، ومن الطائرات التي تحلق في هوائه، ومن الجنود الذين يشقون ظلماته، فيوم الاثنين وصلت حاملتا طائرات أميركيتان إلى بحر الصين الجنوبي لأول مرة منذ ست سنوات، وأجرت الناقلتان العديد من التدريبات التكتيكية المصممة لزيادة قدرات الدفاع الجوي إلى أقصى حد، وتوسيع نطاق الضربات البحرية الدقيقة بعيدة المدى من الطائرات القائمة على الناقلتين، بحسب بيان للبحرية الأميركية الذي تناقلته وسائل الإعلام، وقبل ذلك بخمسة أيام أجرت البحرية الصينية تدريبات هي الأخرى حول جزر باراسيل، في بحر الصين الجنوبي، والمتنازع عليها بين الصين وفيتنام وتايوان. تحدثت في مقالات سابقة عن صراع الهيمنة على بحر الصين بين واشنطن وبكين، خصوصا منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب سدة الحكم، فلأول مرة يرسل ترامب حاملة طائرات إلى بحر الصين، الأولى كانت في 2001 في عهد جورج بوش الابن، والثانية في 2014 إبان تولي باراك أوباما مقاليد الرئاسة الأميركية، وهي خطوة تنضح بتنبؤات كثيرة.
الولايات المتحدة في حالة حرب فاترة مع الصين منذ فترة، وأصبغ ترامب الحرب بالصبغة التجارية والاقتصادية، ولم يسمح بحدوث هدنة سوى تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم كله، قبل أن يحول ترامب غضبه على بكين لأنها سبب انتشار الوباء، كما يقول. وفي خضم هدوء كورونا لم تلتزم واشنطن بالتباعد، بل قررت نزع الأوقية الاحترازية والاقتراب أكثر من بكين عن طريق البحر، ووصفت اقترابها بحاملتي الطائرات بأنه يدعم «الالتزامات الأميركية الدائمة للدفاع عن حق جميع الدول في الطيران والإبحار والعمل حيثما يسمح القانون الدولي» ـ بحسب بيان البحرية الأميركية ـ في الوقت الذي تبدو فيه الصين أكثر هدوءا مع الثقة الحذرة، فخرجت بياناتها هادئة ووصف الجيش تدريباته بأنها «مكثفة في حدود السيادة»، ولم يتطرق لتفاصيل التدريبات ولا عدد القوات ولا الهدف منها، وتعجبت الخارجية الصينية، في بيان لها، من «سفر بعض الدول آلاف الأميال إلى بحر الصين الجنوبي للمشاركة في أنشطة عسكرية واسعة النطاق، وإظهار قوتها».
أميركا ترى أن الاستقرار في هذه البقعة معرض للزعزعة، ولا تريد أن تترك هذه المساحة الشاسعة بأهميتها الاستراتجية للصين، لأنها ترى أن فرض بكين سيادتها على نحو 1.3 مليون ميل مربع يتيح لها بناء التحصينات العسكرية، والتحكم في الجزر الموجودة بالمنطقة، ما يمنحها نفوذا مقلقا لواشنطن؛ وعلى الرغم من تعهد الرئيس الصيني شي جين بينج للرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما في عام 2015 بعدم عسكرة الجزر؛ إلا أن إدارة ترامب ما زالت لا تمنح هذا التعهد المصداقية الكافية.
الصين تتمترس جيدا في المنطقة، ويدعم وجودها الامتداد الجيوسياسي لنفوذها، والقرب اللوجستي من مسرح العمليات الذي يوفر لها سرعة الحصول على الدعم الاستراتيجي؛ لكن الولايات المتحدة ترفع شعار أفلام هوليود «لا تراجع ولا استسلام»، وتصر على عملية الاستعراض بـ120 طائرة على متن الحاملتين، ومعها قاذفات القنابل، ومدمرات الصواريخ والطرادات المحملة على الناقلتين، كما تحاول استقطاب الحلفاء لمشاركتها التدريبات، وبالفعل شاركها في العمليات والمناورات قوات من اليابان وماليزيا.
الشكل الظاهري لما يحدث في بحر الصين الجنوبي يوحي بأنه عملية استعراض قدرات عسكرية أشبه بـ»حرب فاترة» بين واشنطن وبكين، ففي الوقت الذي تلعب فيه أميركا دور المهاجم القادر على الاختراق وتصدير القلق، تبدو الصين في صورة المدافع الصلد الفخور بردع أي هجوم وكسر أي تحدٍّ، ليعيدا للأذهان القطبية الثنائية والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولعل شروق شمس الأيام القادمة يحمل معه الجديد.

أيمن حسين
كاتب مصري وباحث علوم سياسية
[email protected]