.. فاعلموا ـ أيها الأبناء ـأن تتأدبوا غاية الأدب مع والديكم وقولوا لهما قولًا كريمًا، وقدوهما حقَّ قدرهما، أورد النوويُ ـ يرحمه الله ـ في كتاب (الأذكار) في باب نهي الولد والمتعلمِ: ونهى التلميذ أن يُنادي أباه ومعلمه وشيخه باسمه، فقال روينا في كتاب ابن السُّني عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى رجلًا معه غلام، فقال للغلام من هذا؟ قال أبي، قال فلا تمش أمامه، ولا تَسْتَسِتَّ له، ولا تجلس قبله، ولا تدعُه باسمه، قلت ـ أي النووي: معنى لا تستسب له: أي لا تفعل فعلًا يتعرضُ فيه لأن يَسبَّك أبوك زجرًا لك وتأديبًا على فعلك القبيح.أيها الآباء .. أدبوا أولادكم بآداب الإسلام واسألوا الله لهم الهداية والصلاح فالله هو الهادي والمصلح، روى البخاري في الأدب المفرد عن الوليدِ بن نمير بن أوس أنه سمع أباه يقول: كانوا يقولون:(الصلاحُ من الله والأدبُ من الآباء)، (شعاع من المحراب 4/ 76).* أولاد يعقوب: دار بنا الحديث فيما سبق في فلك القرآن العظيم وعلى مدار أولاد آدم وابن نوح، وابن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ وكيف كانت حكمة الله تعالى فيما وهب من أبناء وذرية لأنبيائه ورسله ـ عليهم الصلاة والسلام.وقد تجد ـ أخي القارئ الكريم ـ في قصة أولاد يعقوب ما نلمسه في واقعنا حول المشاكل الأخوية في زماننا هذا، فالدارس للسورة الكريمة يجد أنها طرازاً آخر من القصص، وفيها كشف عن النفس في ناحية من نواحيها، ودراسة لها في علاقاتها بالمجتمع الذي تعيش فيه، إذ هو يوجهها، وإنَّ الدارس لها يجد فيها بيانًا للأسرة في علاقاتها بعضها ببعض، مع علاقة الآباء بالأبناء، وعلاقة الأبناء بعضهم مع بعض، وعلاقات أبناء العلات، كيف يختصمون! وكيف يجتمعون! وما يؤدّي الحسد بين أبناء العلات بسبب ما تثور به النفوس المئوقة، وكيف تتصور ما ليس واقعًا على أنه واقع! ثم ما يؤدي إليه الاندفاع بدافع الحسد المقيت، هذه قصة ساقها القرآن الكريم لا لمجرَّد الاتعاظ والعبر فقط، بل فيها كشف عن النفوس يجد فيها الدارس النفسيّ مكانًا للفحص يهديه إليه كتاب الله تعالى.فهي أولًا: تبيِّن أنَّ علاقة أبناء الأعيان وهم الأشقاء لا تماثلها علاقة أبناء العلات وهم الإخوة والأخوات من الأب من غير الأمن، وتصور الغيرة الشديدة التي تكون بين الأبناء ولو كانوا كبارًا ما داموا في ميعة الصبا، وأنَّ هذه الغيرة تدفع إلى الحسد، والحسد يدفع إلى البغضاء، ووراء البغضاء الجريمة (المعجزة الكبرى القرآن ص: 379)، ولو تأملنا سورة يوسف لوجدنا أن كلها بأكملها عبرة وعظة فيما كان بين أولاد الأنبياء ، ودروسا لا تنتهي ولا تحصى، فلو سلكنا دروبها لأضاءت لنا مسالك حياتنا كلها ، فهيا بنا تستزيد من نورها.واسمحوا لي ـ أيها الأعزاء ـ في محطات معينة من أماكن معينة في هذه السورة الكريمة تتحدث عن بعض تلك المشاكل، ومن بين هذه الآيات الكريمةالمحطة الأولى:(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف ـ ٤)، تأملوا معي ـ إخوة التوحيد ـ هذه الآية الكريمة التي جاءت في بداية السورة الكريمة ، وهي آية لا شك تدعوا إلى التأمل والتفكر، والتمعن والتدبر،والتي تفيد أن عدد إخوة يوسف أحد عشر دونه، وقد اتفق العلماء أن عددهم أحد عشر ولدا غير يوسف، وذلك تفسير لقول يوسف كما حكى القرآن:(إني رأيت أحد عشر كوكباً .. الآية)، ولكنهم اختلفوا في أسمائهم بين من يعرفها ومن ينكرها، قال صاحب كتاب (الرسل والرسالات ص: 199:(ولكننا لا نعرف أسماءهم، وهم الأسباط، والأسباط هم أولاد يعقوب، وقد كانوا اثني عشر رجلاً،عرّفنا القرآن باسم واحد منهم وهو يوسف، والباقي وعددهم أحد عشر رجلاً لم يعرفنا الله بأسمائهم، ولكنه أخبرنا بأنّه أوحى إليهم، قال تعالى:(قولوا آمنَّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) (البقرة ـ 136)، وقال:(أم تقولون إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى..)(البقرة ـ 140).