د.جمال عبدالعزيز أحمد*
كلما انتصف رمضان من كلِّ عام، واقتربْنا من السابع عشر منه، طالعتْنا غزوةُ بدر الكبرى، واستنشقْنا عبيرَ سورة الأنفال، التي سجَّلت كلَّ أحداث الغزوة تسجيلا كاملا، ودفعتْ إلينا بتربوياتها، وقيمها، ودلالاتِها، وعطاءاتها المتعددة: التربوية منها، والفكرية، والعسكرية، والاجتماعية، وهي في الحقيقة من أهمِّ غزوات، وأيام الإسلام على الإطلاق، حتى سُمِّيَتْ في السيرة بغزوة بدر الكبرى، وسمَاها القرآن الكريم يوم الفرقان، أي اليوم الفاصل بين الكفر والإيمان، والنور والظلام، والتوحيد والشرك، والصواب والخطأ، والاتباع والنكوص، واليقين والتخبط، والثبات والتردد، والعقيدة السليمة، والاهتراء الوثني، والعون الرباني، والخزي الإنساني، والاجتهاد ثم الارتكان إلى تأييد السماء، والركون إلى الكسل، والترباء، ومآلات، وجلال الإيمان، وعواقب الجحود، والنكران، والإقدام، والإحجام.
ولندخل مباشرة إلى أحداث الغزوة، ونقف معًا على بعض تربوياتها، وجلال قيمها، ونبيل قِيَمها، يقول الله عزوجل:(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) (الفرقان 9 ـ 14).
حيث نجد هنا أول درس تربوي في تلك الغزوة أن أهل الإيمان الذين هم على صلة بربهم، وتعلُّق بخالقهم، وارتباط بمولاهم، وعند اللحظات الحرجة معهم، وفي خضمِّ أتون المعارك، وحيث الزمن الصعب الذي تصطكُّ فيه الأرجل، وتتلجلج معه الأفواه، وتتردد الألسن، ويضطرب القلبُ، ويَجِبُ داخل الصدر، فإن أهل الإيمان يلتجؤون إلى ربهم، ويستغيثون بمولاهم الذي يعبدونه، ويوحِّدونه، ويعظِّمونه، ويُقِرُّون له بالعظمة، والكبرياء، والبراء الكامل، والولاء التام، والخشوع، والبكاء، فسرعان ما يستجيب لأوليائه، ويُنزِل رحمته بأصفيائه، ولا يتخلى عن أتقيائه، وأحبائه، قال تعالى:(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال ـ 9)، والفاء هنا في (استجاب) تفيد السرعة، وتحقيق الرجاء الفوري دون زمن يُذكَر، واللام في:(لكم) تفيد الملكية، والاكتساب، فالاستجابة كانت لهم، ولصالحهم، وكانت الاستجابة الفورية عملية؛ حيث أنزل الله ألفًا من الملائكة، والمَلَك الواحد يكفي لتدمير الأرض كلها، ولكنَّ الله يثبِّت بهذا العدد من الملائكة قلوب عباده المؤمنين، وذلك بأن يُنزِل إليهم قوة لا وصف لها، ولا يمكن تصورها، تحيط بأعداء المؤمنين من كل جانب، بحيث لا يمكن لأيِّ واحد من الكفار أن يفرَّ، أو يهرب، وفيه هنا كناية عن طلاقة القدرة، وسعة العطاء، ووافر الفضل، وشامل العناية، والألف والسين والتاء في:(استغاث) تفيد الطلب، وصدق اللجوء؛ ومن ثَمَّ ناسبها ورود الفاء في:(فاستجاب) التي تتناغم مع التلهف على الجواب، وتلبية الدعاء، وسرعة إغاثة الملهوف، وتلفُّته، واحتياجه إلى من ينصره، ومن يحميه، ويؤيده، واسم الفاعل هنا هو الله تعالى:(مُمِدُكُمْ)، فالمدُّ مباشر منهسبحانه، والذي تولاه هو عز وجل بذاته العلية، وهو الله القادر، والقدير، والمقتدر، ومَنْ أمده الله مددًا مباشرا فمن يغلبه؟!، ومن يغلب ملائكة السماء؟!، ومن يقدر على مجابهة قوة الله وملائكته؟، إنه لا يمكن لأهل الله قاطبة من الوقوف أمام مَلَكٍ واحد من الملائكة الألف النازلين، ناهيك عن قوة وقدرة وانتقام الله ـ جلّ جلاله ـ فنحن في تلك المعركة الفاصلة أمام قوة لا يمكن لبشر تحمُّلَها، ولا التصدِّيَ لها، بل تقف الأيادي جامدة مشلولة أمام قدرة السماء، وأمام قدرات الملاكة، وتنفيذهم أمر ربهم، وأمر خالقهم.