د.جمال عبدالعزيز أحمد*
.. كما ذكر البخاري في تفسيره، وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر الحديث:(ألا أحدثك بأشقى الناس؟، قال: بلى، قال: رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليُّ على هذا ـ يعني قرنه ـ حتى تبتلَّ منه هذه، يعني لحيته)، والناظر لكلمات السورة يجد الضوء والظلام، الضوء ممثلا في الشمس، والضحى النهار، والتجلية والسماء ونورها، والقمر وضوئه، وتقوى النفوس، والفلاح، والتزكية، وأما الظلام فقد تمثل في الليل والتغشية، والأرض، وبُعْدها، واتساعها، ومجيء الليل عليها، وكونها سفلى، وترابية طينية، والسماء عليا، ونيرة وصافية، والفجور والخيبة، والتَّدْسِيَة، وتكذيب ثمود، وخروج المتكبر قدار بن سالف، وعقر الناقة، وتسوية الله لها بالأرض، كلها مقابلات، لو تخيلها المرء لَتَصَدَّعَتْ نفسه، وانهدَّتْ أركانه، وتهدمت ذاته، أمام هذه القدرة الإلهية غير المتخيلة، ولا المتصورة، كما أن الشمس رمز للوحي، وشارة للدين، وانتشار هداه ونوره، وروحانياته، والقمر رمز للرسول، وسيرته المطهرة، المضيئة، والعطرة التي ضوَّأتِ الحياة، وأنارت الدُّنَا، وأسعدتِ الأحياء، وهو تال للوحي، فالوحي يرسَل، ويخبِر، والرسول ينفِّذ أمر ربه:(إنْ هو إلا وحي يوحى)، فالقمر تابع للشمس، والسيرة تأتي بعد تنزُّل الوحي، فتمضي المسيرة المباركة، كما أن النهار يمثل زمان نزول الوحي، وفوائد تنزله تتأتَّى في:(تجلية، وإضاءة، وإيضاح، وتنوير الكون ومن فيه)، ثم تأتي سلوكيات الناس بين مسارع، مطيع، وعنيد فظيع، يمثل الليل، وظلمته، والعصيان، وعثرته، ثم تأتي السماء وعلوها، وإحكام بنائها التي تمثل التشريع المحكم، والتنزيل الحميد، ثم تأتي الأرض التي تتلقى هذا الوحيَ، والقرآن، والمكان الذي هو محلُ الالتزام، والتنفيذ، والأرض بما فيها من سهول، وهضاب، ومنخفضات، ومرتفعات، وأراضٍ مستوية، وأخرى معوجَّة، تمثل شرائح الناس تجاه أوامرِ ونواهِي السماءِ، وتظهر سلوكيات البشر بين مطيع مستقيم، وعاص ملتوٍ، متعرج، عنيد، صلب جهم، صَلِفٍ متكبر، قاسي القلب، وتلك النفس المتقلبة، منها الصالح، ومنها الطالح، ومنها البار، ومنها الجَحود المتنكر الذي لا يشكر ربه، ومنها المطيع، ومنها المدبر، غير المقبل، وترى التضاد، والتقابل يسعفك، وأنت ترى الضدين يتماثلان أمامك في كل شيء: سماء وأرضاً، كوناً وبشراً، شمسًا وقمرًا، تجلية وتغشية، صلاحًا وطلاحًا، نوراً وظلاماً، جناناً وجحيماً، استواء والتواء، رسول الله، وقدار بن سالف أشقاها، تكذيب وعقر، وتسوية، ودمدمة، مناظر رهيبة، وظواهر رعبية، وأوقات عصيبة.
لو وضعتَ كلَّ جملة أمام مقابلها، وتخيلتَ منظر الكون لَمَا وسعك إلا البكاءُ الشديدُ على حال البشر حِيال ربهم، وتجاه أنبيائهم، وكان مقتضى الإيمان أن يسارعوا بالطاعة، وأن يبادروا بالإذعان، لا أن يتعجلوا بالكفر، ويتنافسوا في العصيان، وقد أوضحتِ المقابلات في السورة ملامحَ الكفر، وخصائصَ الإيمان، وسمات التوحيد، وصفات الشرك، وسلوكيات الطائع، وطبائع العاص، ومآل البر، وعاقبة الفاجر، وبينت طبيعة الوحي، ومهمات الرسل، ومكان الإرسال، ومكان الاستقبال، وأن أهل الالتزام هم السعداء، حيث يحل الشمسُ والنورُ، والقمرُ والحبورُ قلوبَهم، والفلاحُ، والتزكيةُ تغشى أجسادهم، وتملأ أفئدتهم، وكل تلك الأقسام جاء جوابها سريعا: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) فكـلها نازلٌ لصلاح البشر، وتزكية قلوبهم، ونجاحهم في أعمارهم وأعمالهم، أما مَنْ تنكَّب الطريق فقد خاب، حيث دسَّس نفسه، وأطفأ روحه، وألغى عقله، فاستحق ما استحقه قدار بن سالف الي أمسى رمزاً لكل جهول عاص متكبر جحود، ثم إن قوم قدار بن سالف لم ينكروا عليه فله، وقتله وعقره للناقة، فدخلوا معه في العقاب:(فكذبوه فعقروها) مع أنه وحده هو الذي عقرها.