الجزائر ـ العمانية :يُعرف المسجد العتيق بمدينة بوسعادة جنوب الجزائر بأسماء مختلفة، منها مسجد النخلة، ومسجد سيدي ثامر، ومسجد القصر، ويمثل المسجد الذي رُفعت دعائمه وشُيدت أساساته قبل أكثر من ستة قرون، أحد أهمّ المعالم التي تكشف بوضوح عن الجذور العريقة لمدينة بوسعادة.ويرى بعض المؤرخين أنّ إطلاق اسم "العتيق" على المسجد، يعود إلى قدمه، أمّا تسمية "مسجد القصر" فقد أطلقها عليه السكان لأنّه بُني على أنقاض قصر أو مركز حربيّ رومانيّ. كما أن اسم "مسجد سيدي ثامر" ربما اشتُقّ من اسم أوّل مَن سعى في إنشائه، بينما جاء اسم "مسجد النخلة"، الذي يُعرف به لدى قطاع واسع من السكان، نسبة إلى النخلة التي تتوسّطه.تأسّس المسجد بحسب ما تُشير إليه المراجع، سنة 1394م/ 1395م، من طرف وليين صالحين هما سيدي سليمان بن ربيعة الشريف البوزيدي بن المولى إدريس وسيدي محمد بن ثامر بن إدريس الأكبر، مؤسّس دولة الأدارسة، رفقة جمع من الشيوخ الأفاضل أمثال سيدي أدهيم، الذي كان بمثابة البنّاء، وسيدي ميمون خديم سيدي ثامر، وسيدي عطية، والولي الصالح محمد الأبيض. وتقرّر وضع أساسات الجامع بالقرب من إحدى عيون الماء، فكان أن بدأت عمليات البناء والقلوب تلهج بالدعاء للمدينة وأهلها بواسع الرزق والبركة فيه.يقع المسجد في أحد قصور مدينة بوسعادة أو قصباتها التي تتميّز بشوارعها الضيّقة والمتعرجة، فضلا عن أنّ عددا من تلك الشوارع مسدودة النهايات، لكونها أُنشئت خصّيصاً من أجل السكن.ويُعرف التخطيط العمراني لبوسعادة القديمة، بوجود حارات عدة، ولكلّ حارة مسجدها ومنبع المياه الخاص بها، فضلا عن وجود أبواب مصنوعة من أخشاب النخيل تفصل بين حارة وحارة. أمّا المنازل، فهي مبنيّة بالطوب. وقد كان الشارع الرئيسي بمثابة مركز مراقبة للثوّار خلال حرب التحرير الجزائرية. ويُعد القصر بمثابة المنطقة السكنية، والثقافية، والتجارية، والروحانية، في آن واحد.ويندرج المسجد العتيق ضمن المعالم الدينية الإسلامية المهمّة في الجزائر. كما أنّه من المعالم الحضارية التي لعبت دورا بارزا في نشر القرآن وعلومه بين سكان بوسعادة، فضلا عن دوره التاريخي والجهادي في مقارعة الاحتلال الفرنسي، وهذا ما دفع السلطات في الجزائر إلى تصنيفه كمسجد وطني وتاريخي من قبل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف سنة 1993، كما صُنف من قبل منظمة اليونيسكو، معلماً أثريّاً من الآثار العربية والإسلامية.ويتميّز مسجد بوسعادة العتيق بهندسته المعمارية الإسلامية الأصيلة، حيث يُظهر مهارة البنّائين الذين شيّدوه بطريقة توضح كيفية تعامل البنّاءُ مع الحجارة بطريقة فنيّة محترفة، إضافة إلى استعمال مواد بسيطة ذات ديمومة ومقاومة عالية للتلف والأخطار، مثل أخشاب الزيتون والنخيل والعرعار والطوب والجير، والممرّات الحجرية والمداخل والأروقة التي توحي لزوّار هذا المعلم الديني بالعراقة والأصالة.وممّا يزيد من قداسة هذا الجامع عند الدخول إليه، سماعُ صوت ترتيل القرآن من قبل طلبة العلم، وروائح البخور التي تنبعث من داخله لتبعث في النفس مشاعر غامرة بالبهجة والراحة، ويضم المسجد العتيق رفات العمري بن الشيهب ووالده، وهما من شهداء الجزائر الذين قضوا في سبيل استرجاع الحرية.