د.جمال عبدالعزيز أحمد*.. وإذا تأملتَ مخارج حروف الكلمة:(أقصى)، وطريقةَ نطقِها عرفتَ كم عانى هذا المخلص، وكم تكبَّد هذا المؤمن من المشاقِّ، وكم لاقى من التعب والتكفُّؤ، واللهث وراء أن يُنْهِيَ الطريق الموصلة إلى موسىـ عليه السلام ـ وهو درسٌ لنا جميعًا ـ نحن المسلمين ـ ألا نتخلَّى عن أهل الحق، وعن الدعاة في أعقدِ المواقف، وأشدِها رهبةً، وخوفًا، ومهما كلَفنا ذلك من الجهود، ولو كان ثمنُها حياةَ الشخص نفسِه، فالرجالُ يُعرَفون بمواقفهم النبيلة، فهي كفيلة ببيان معدنهم، ومدى صدقهم، وعلاقتهم بربهم، وحياتهم مع مولاهم، فقام كلٌّ من: المدِّ المتصل تجويديًّا، ومخارجِ الحروف الصعبة، وتباعد صفاتها، والتفخيم، والقلقلة، وقوة الحروف:(الهمزة، القاف، الصاد)، وضعفَها:(الألف المقصورة) بدور كبير جدًّا في بيان الجهد الكبير، والتعب المُضنِي، والمشْي المتواصل المجهد، الذي يحتبس الأنفاسَ، ويبيِّن سموَّ الإحساس، وسرعة إنقاذ الدعاة، وأهل الحق من براثن الشر، ومراتع الظلم، وأهل الفساد، وأساطين الشر، فبدا هذا الذي وصفه القرآنُ بوصف الرجولة:(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)، والفعل: (يسعى) يعني أنه لم يتوقف، واستمر مشيًا من غير راحة، وبدا متواصلاً في سعيه، مستمرًّا في مشيه كالفعل المضارع:(يسعى) الذي يفيد الاستمرار، فهو يتنقل من جبل إلى جبل، ومن منخفض إلى مرتفع، ومن ضيق إلى متسع، ينحدر هنا، ويتسلَق هناك، ويقعُ هنا، ويتكفَّأ هنالك، ويصبر على عفْر الرغام، وضيق النَّفَسِ، وظلَّ كذلك حتى قطع مشوار المدينة من أقصاها إلى أقصاها، وأقصى المدينة يعني أنه سار طريقًا طويلة، وغيرَ مُعَبَّدَة، وفيها ما فيها من الهضاب، والوهاد، والمرتفعات، والمنخفضات، حيث إنه قد سلك طريقًا ليست سهلة، بل هي وعرة وعرة، وفيها إجهاد كبير، كلُّ ذلك لم يَفُتَّ في عضده، ولم ينلْ من شجاعته، ولم يأخذ من نشاطه، ولم يمسَّ إخلاصه، وكان كلُّ همِّه دفع الظلم، ووقْف الموت والقتل عن أهل الله من الأنبياء، والدعاة، والمصلحين، وهكذا وَصَفَ القرآنُ كلَّ من يحمل تلك الشيَم، وهاتيك الصفاتِ بالرجولة الإيمانية، لا يصفه إلا كذاك، بالرجولة الإيمانية، قال تعالى:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب ـ 23)، وكما قال في سورة القصص (20 ـ 21):(وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وكما ورد على لسان مؤمن آل فرعون، وبيان موقفه النبيل، ودفاعه المستميت عن أهل الحق، واستماتته أمام بطش الباطل، وحزبه:(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر ـ 28).فكلا الرجلين دافع، وتحمَّل، وجاهد، وصبر، ونال في العاقبة رضا الله، وحسن ثوابه، وكريم عطائه، وعند وصول الرجل أمام فرعون لم يتوقَّفْ لسانه لحظةً، ولم تَكُفَّ حنجرتُه عن الدفاع المتواصل، والقول المستمر، والحِجَاج المتتابع، يقول القرآن الكريمفي سورة يس (20 ـ 25):(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِـنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ).*جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.[email protected]