محمود عدلي الشريف*إخواني الكرام .. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله تعالى أن يحفظ عمان وأهلها قيادة وشعباً، وأن يعمنا دوماً بالأمن والأمان والسلم والسلام والرغد والرخاء والازدهار والتقدم، وأن يبارك في بناة نهضتها المتجددة، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يعيد عليكم وعلينا وعلى الأمة العربية والإسلامية شهر رمضان المبارك بالخير واليمن والبركات، وأن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام والركوع والسجود والصدقات وتلاوة كتابه الكريم .. إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير .. واسمحوا لي إخوة الإسلام والإيمان أن أفتتح معكم سلسلة جديدة تتناول (أبناء الأنبياء والمرسلين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز).ولو تأملنا ما جاء به القرآن الكريم من حديث عن الأنبياء والمرسلين وعائلاتهم، وخاصة أبنائهم لوجدنا أنه دليل على صدقهم واضح، وردع للكفار قادح، فقد مرَّ بهم ما يمر بكل انسان على وجه الأرض، فليسوا ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إلا بشر أوحى الله تعالى إليهم،(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (يوسف ـ ١٠٩)، أي: وما أرسلنا من قبلك ـ أيها الرسول الكريم ـ لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى الناس، إلا رجالاً مثلك، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من أرسلوا إليهم، واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن، لكونهم أصفى عقولاً وأكثر حلماً، وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم، لأن الجنس إلى جنسه أميل، وأكثرهم تفهماً وإدراكاً لما يلقى عليه من أبناء جنسه، ثم نعى ـ سبحانه ـ على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال:(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..) الآية،أي: أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميراً، وهؤلاء الجاحدون الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم باقية وظاهرة في الأرض، وقومك ـ يا محمدـ يمرون عليهم في الصباح وفي المساء وهم في طريقهم إلى بلاد الشام، كقوم صالح وقوم لوط ـ عليهما السلام، فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم في الشرك والجحود،وقوله:(وَلَدارُ الْآخِرَةِ) وما فيها من نعيم دائم (خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) الله تعالى وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه، (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول في الإيمان، ونبذ الكفر والطغيان (انظر: التفسير الوسيط للطنطاوي 7/ 424)، فالأنبياء ـ عليهم السلام ـ بشر كباقي البشر إلا إنهم قد اختارهم الله تعالى لتبليغ أمانة وحيه، (فمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا بِأَعْبَاءِ مَا حُمِّلَ مِنْ ثِقَلِ النُّبُوَّةِ، وَالْقُوَّةُ الطَّاقَةُ، قَوِيٌّ، الْعَقْلُ، وَطَاقَاتُ الْحَبْلِ. ذَا عَقْلٍ صَحِيحٍ، وَفَهْمٍ رَجِيحٍ، وَعِلْمٍ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ حَسَنَ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الْخَلْقِ فِي مُخَالَطَاتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ لِأُمُورِ الدِّيَانَةِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ جَمِيعِ الرَّذَائِلِ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَاللَّهْوِ وَاللَّغْوِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، كَمَا أَنَّهُمْ مُبَرَّءُونَ مِنْ لُؤْمِ النَّسَبِ، وَشَرَهِ الْقَلْبِ، وَحِرْصِ النَّفْسِ عَلَى الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي أَشْرَفِ مَنْسَبِ أُمَّتِهِ، فَلَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنْ ذِي نَسَبٍ مَبْذُولٍ، كَمَا لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا عَبْدًا وَلَا لَئِيمًا، وَلَا امْرَأَةً لِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ الذُّكُورَةِ عَلَى الْأُنُوثَةِ مَعَ طَلَبِ عَدَمِ الِاشْتِهَارِ مَعَ النِّسَاءِ الْمَطْلُوبِ لِلدَّعْوَةِ، وَالْحَاصِلُ اخْتِصَاصُ النُّبُوَّةِ بِأَشْرَفِ أَفْرَادِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَالذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ وَقُوَّةِ الرَّأْيِ وَلَوْ فِي الصِّبَا كَعِيسَى وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ مَا نَفَّرَ عَنِ الِاتِّبَاعِ كَدَنَاءَةِ الْآبَاءِ وَعِهْرِ الْأُمَّهَاتِ وَالْغِلْظَةِ وَالْعُيُوبِ الْمُنَفِّرَةِ لِلطِّبَاعِ كَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَالْأُمُورِ الْمُخِلَّةِ بِالْمُرُوءَةِ كَأَكْلٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَالْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ كَالْحِجَامَةِ، وَكُلِّ مَا يُخِلُّ بِحِكْمَةِ الْبَعْثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا تُنَالُ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ بِالْكَسْبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْفُتُوَّةِ،لكِنَّهَا فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلِّ مَنْ يَشَا مِنْ خَلْقِهِ إِلَى الْأَجَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُؤْتِيهِ مَنْ شَاءَ مِمَّنْ سَبَقَ عِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ الْأَزَلِيَّانِ بِاصْطِفَائِهِ لَهَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ يَمُنُّ بِهَا الرَّبُّ الْحَكِيمُ، وَالْعَلِيمُ الْكَرِيمُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، لكُلِّ أَهْلِ زَمَنٍ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِي مَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَالًا فِي مَنْ لَمْ يُعَيَّنُوا.. (لوامع الأنوار البهية لشمس الدين السفاريني 2/ 266باختصار).إذن فإن الرسل بشر كما نحن بشر، بشر مثلنا ينسون كما ننسى، ويأكلون كما نأكل، ويشربون كما نشرب، ويقضون حاجتهم، ويجامعون نساءهم، ويفتقرون ويبتلون بلاءات شديدة، قال الله تعالى:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ..الآية)(الكهف ـ 110).فبشرية الرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، معلومة، وأيضاً قال الله تعالى:(وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ)(الأنبياء ـ 8) يعني: جعلناهم جسداً يأكلون الطعام فهم بشر، وأيضاً بيّن الله ـ جل وعلا ـ لرسوله بأن قبله رسلاً كانت لهم أزواج وذرية، فقال تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد ـ 38)، فهم منالبشرية بمكان، وأيضاً مما يدل على بشرية الرسل أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ ألقي في النار، ويونس ـ عليه السلام ـ ابتلعه الحوت، والنبي (صلى الله عليه وسلم) ضرب بالحجارة وأدميت بذلك رجله الشريفة (صلى الله عليه وسلم)، فكل هذه الابتلاءات تدل على بشرية الرسل، إذاً: كل إنسان أرسله الله إلى البشرية فهو بشر منهم، والله ـ جلَّ وعلا ـ ما أنزل ملكاً لأنه لو كان في الأرض ملائكة لبعث ملكاً، ولأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملك ولا يستوعبوا ما يقوله، من قوة وعظمة خلق الملائكة، فالله ـ جلَّ وعلا ـ تكفَّل لكل رسول بعصمته في الاستقبال للوحي وفي التبليغ، فبالإجماع لا يمكن أن يخطئ رسول في أمر الوحي، وأيضاً ليس للرسول أن يأتي بقول من عنده، قال الله تعالى:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (الحاقة44 ـ 46)، فهذه دلالة على أنه ليس لرسول أبداً أن يأتي بشيء من عنده.. (شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة محمد حسن عبد الغفار 30/ 12، بترقيم الشاملة آلياً).*[email protected]