د. أحمد مصطفى أحمد:ليست محن الوباء التي يواجهها العالم الآن، وسيخرج منها البشر عاجلا أم آجلا، سلبيات كلها، بل دوما هناك نصف الكوب المليء. ومع عدم التقليل من أهمية العمل عن بُعد وتحديدا العمل من المنزل، فكلها وظائف ومهام ضرورية كي تسير الحياة، سواء كانت خدمات حكومية أصبحت تقدم أونلاين أو مِهنًا مثل الصيرفة والإعلام والترفيه وغيرها، تظل هناك وظائف ومهن بحاجة إلى ما يمكن وصفه بالعمل الحقيقي؛ أي العمل الذي لا يمكن القيام به عن بُعد، أو أونلاين. وربما في ظل حياتنا العادية السابقة على هذه الأزمة لم نكن نفكر فيها ولا ننتبه لأهميتها، ونصف الكوب المليء الآن أننا أصبحنا ندرك أهمية هذه الأعمال والمهن، بدءا من عمل النظافة وانتهاء بسائقي توصيل الطلبات، مرورا بالمزارعين ومصنعي الأغذية والعاملين في المطاعم ومصانع المشروبات.في هذا الوقت الذي يوجد فيه أغلب سكان العالم في بيوتهم، وأكثرهم يعملون من بيوتهم باستخدام الإنترنت ويعتمدون في علاقتهم مع الآخرين على وسائل الاتصال، ألا نفكر في الفنيين الذين يصلحون أبراج الاتصالات إذا تعطلت؟ ألا يرد على ذهننا الآن سؤال مرعب: ماذا لو تعطلت شبكة الإنترنت؟ وعندئذ نتذكر أن هناك أناسا يسهرون على صيانة خوادم الاتصال الكبيرة، وأن كابلات الأياف الضوئية الممتدة عبر العالم تحتاج إلى من يصونها، وهؤلاء لا يمكنهم العمل عن بُعد؛ فمهامهم تتطلب وجودا ماديا مباشرا للقيام بعملهم. ثم هناك أيضا من يقومون بمهام أخرى كثيرة، غير الأطباء والممرضين ورجال الأمن والدفاع المدني (خط الدفاع الأول في مواجهة الوباء)، لولاها ما تمكنا من الاستمرار في البقاء في بيوتنا والعمل من المنزل. على سبيل المثال لا الحصر من يؤمنون لنا الكهرباء والمياه وكل ما نستهلكه في منازلنا.إنما العمل الحقيقي فعلا الأكثر أهمية هو من يزرع ويصنع لنا ما نأكله ونشربه وما نستهلكه من مستلزمات يومية. هؤلاء ممن يقومون بالعمل الحقيقي الذي تعتمد عليه حياتنا أبطال صامتون، فهم يقومون بما يقومون به بشكل طبيعي، ليس من قبيل التفاخر والتباهي بأنهم "يطعمون العالم" ولكن لآنهم يشعرون ببساطة أن تلك مهمتهم في الحياة: الزرع والحصاد. نعم، هي وسيلة للرزق كما الصيد وتربية الطيور والحيوانات، لكنها أيضا طريقة حياة. هؤلاء فعلا هم من لا تستطيع التكنولوجيا، مهما كان ذكاؤها الاصطناعي ومهما تطورت روبوتاتها لتباري الإنسان، أن تحل محلهم أو تقوم بمهامهم. وإذا كانت شركات التجارة الإلكترونية انتعشت في هذه الأزمة، مع توقف الناس عن التسوق نتيجة البقاء في البيوت للحد من انتشار الفيروس، فإن تلك الشركات ما كانت لتعمل لو لم تجد ما تسوقه. وهذا ما ينتجه الذين يقومون بالعمل الحقيقي.منذ وقت طويل، استعاضت صناعات كثيرة عن العاملين في بعض تفاصيلها باستخدام الآليات الذكية التي تعمل ببرمجة حاسوبية (كمبيوترية) ومنها صناعة السيارات وغيرها. ومؤخرا، مع التركيز على تطوير الروبوتات الذكية، ارتادت الآلة مجالات جديدة أو أوشكت على أن تحل محل الإنسان فيها: من الجراحة عن بُعد إلى روبوتات خدمة العملاء في قطاعات كثيرة. حتى في مجالات لم يكن يتصور البعض أن تخلو منها لمسة البشر المباشرة مثل البناء والمعمار. وأصبحت الطباعة ثلاثية الأبعاد الآن تستخدم في البناء وإنتاج أشياء كثيرة. لكن ما زال ـ على الأقل حتى الآن ـ يصعب أن تطبع دجاجة باستخدام الطباعة الذكية ثلاثية الأبعاد، أو أن تقوم بتنزيل الطماطم والخيار بواسطة الحاسوب (الكمبيوتر). صحيح أن البعض حاول إنتاج لحوم بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، لكن ذلك أشبه بأن تأكل شطيرة مصنوعة من البلاستيك. فحتى لو كان قوامها وتكوينها أقرب ما يكون للشطيرة، إلا أنها ستظل شيئا آخر غير الطحين الناتج عن قمح المزارعين ومحتواها غير ما تجنيه من الحقل أو من حيوانات وطيور تربت فيه.مرة أخرى، لا تقليل من أهمية التكنولوجيا وتطورها ولا من كل محاولات العلم تسهيل حياة الإنسان على الأرض. لكن لعل هذه الأزمة تجعل البشر يفيقون من نشوة الإبهار البرمجي الافتراضي على واقع أن أساس الحياة على الأرض هو إعمارها: بزرعها وحيواناتها وطيرها وأسماكها ... وليس ببرمجتها رقميا وافتراضيا فحسب. وبقدر ما تجعل أزمة وباء كورونا الناس أكثر استخداما للتكنولوجيا، بقدر ما تجعلهم يدركون أهمية ذلك العمل الحقيقي الذي يقوم به الفلاح والصانع وغيرهم من أصحاب المهن التي بدونها ما كان لنا أن نحيا ونستمتع بالتكنولوجيا. وأخيرا، لا بد من الاعتراف بأن التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة أفادت هؤلاء من أصحاب الأعمال الحقيقية. لكنهم يبقون الأكثر توازنا في التعامل معها، فهي تفيد بقدر ما تسهل عليهم عملهم الأصلي وهو فلاحة الأرض وإنتاج الغذاء والطعام. ولنتذكر أن تطوير التعديل الجيني لزيادة المحاصيل وتسمين مصادر الثروة الحيوانية والداجنة أدت إلى بعض مخاطر جعلت العالم يعود لما تسمى "المحاصيل العضوية"، أي تلك التي تزرع وتنتج وتصنع دون تدخل جيني أو كيماوي. نأمل أن يخرج العالم من هذه الأزمة أكثر توازنا، وتقديرا لقيمة العمل الحقيقي.