[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]في المَعْزل الذي طال وأناخَ بكَلْكلِه على النَّفس والرُّوح، تسْرَح بالمرء الذاكرة أو يسبح في بحرها، ويدفعه الموج والثبج إلى شواطئ ومرافئ في فضاء حياته، ومن ذلك ما يكون مُتنَفَّسا وراحة، ومنه ما يكون هَمًّا وغمًّا، ومنه ما يكون فرصة تمكنه من أن استعراض صفحات مطويات، أو استعادة بعض ما كان مما اختُزن في مستودعاتها.. وقد كان لي من ذلك نصيب بحمد الله، حيث وجدت نفسي في ذلك الخضم، ودفعني موجُه إلى تذكُّر أيام قليلة عشتها في القفقاس، ومواقع وحوادث كنت قد سجَّلت انطباعات عنها، ومن ذلك أذكرُ أنه:في السَّاعة العاشرة والربع من صباح الأحد 15أيلول 1996 انطلق بنا القطار من جلنزوفودسك (المياه الحديدية) في طريق العودة من شمال القفقاس إلى موسكو بعد أن أنهينا احتفالا هو الأول بالشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841م) استمر ثلاثة أيام (12-14) أيلول 1996 مخلِّفين وراءنا أربعة أيام من العمر لا ندري كيف انقضت في أحضان الطبيعة الخلابة وطيبة الناس في هذه المناطق الأخاذة، زرنا خلالها مواقع ومناطق متعلقة بحياة الشاعر ليرمنتوف في كل من: جلنزوفودسك، بيتورسك، وكيسلافودسك، وهي مناطق مياه معدنية للعلاج والراحة والاستجمام. وكنت أود أن أبدأ الحديث منها ولكن لا أدري ما الذي يشدني إلى أن أبدأ من الأسطورة حيث خلَّفنا وراءنا جبلين متقابلين هما: جبل "بيش تاو"، أي القمم الخمس، ومعشوقة بحلَّتها الخضراء الجميلة.. تقول الأسطورة الشّركسية: إن جبل "الْبروز"، وهو شيخ الجبال في القفقاس مثل شيخ القبائل القديمة فيها، أحبَّ معشوقة التي كانت تختال تحت الشمس الساطعة بحلتها الخضراء فتسبي الألباب. وكان هذا الشيخ المعمم بالثلج المسور بالقوة والعزم، ينظر من بعيد إلى محبوبته البهية بشوق، ويمنعه الكِبْرُ من أن يقترب منها، وبجانب "معشوقة" كان "بيش تاو" ينظر في عينيها كل يوم ويكاد يلامسها عن قرب.وسَرت الإشاعات التي لا تَنبع من فراغ بأن "بيش تاو" يحبُّ "معشوقة" وتبادله هي الحب، ووصل الخبر إلى شيخ جبال القفقاس المثقل بقيمه وعمته البيضاء ووقاره وسمعته الطيبة، فارتجف غيظا وغضبا واهتزت لذلك الغضب الأرجاء كلُّها وأحدث رعدة في أوصال الأرض فتشققت وديانٌ ووهادٌ وفجوات ومغاور، وأومأَ إلى "بيش تاو" بغضب فقسم جسمه إلى خمس قطع بعد أن استطاع المحب "بيش تاو" أن يضربَ الشيخ بسيفه فيقسم عمته إلى قسمين ولكنه لم يصب منه مقتلا، واستل "البروز" سيفَه وطعن به المحبوبة الغادرة "معشوقة" في الصدر، وتراخى الجسد الجميل الذي كان ينتصب حبا وبهاء تحت الشمس. ومع الزمن تجمّدت قطع جسم "بيش تاو" على شكل جبل ذي قمم خمس (بيش تاو باللغة التركية: خمس قمم) وأصبح "البروز" مقسوم القِمة إلى شقين، أما "معشوقة" فتفجرت من صدرها وقلبها الينابيع التي تشفي الناس بمياهها المعدنية المتنوعة.إنها الأسطورة تفسر للعقل البدائي كثيرا من الألغاز، وتجيب على أسئلة، وتريح الأنفس من لهاث الأفئدة التي تثيرها الطبيعةُ، ومن تفاعل العقل مع معطياتها وقوانينها ومستقراتها. ولا أدري إلى أي مدى يستقر شيء من ذلك في لا وعي الناس الطيبين في القفقاس الذي تعيش أساطيره في أنواع من الناس الذين بعضُهم لا يمت إلى تاريخ تلك الأساطير بأية صلة؛ فالذين استقروا فيه قبل نيف ومئتي عام في العهد القيصري أو بعد ذلك بكثير في العهد السوفييتي، لا يحملون في عمق تكوينهم من مقولاته الأساسية شيئا، ولا تنغرس دروس الطبيعة القاسية وأسئلتها المحيرة وإيماءاتها الموحية في أعماقهم، إنهم يقطفون آخر عناقيد الشجرة اليانعة ويدَّعون إنهم هم الذين غرسوها أصلا؟! وتلك مغالطات ما أكثر انتشارها في الأرض، وما أكثر تأثيرها على تاريخ الناس ذاك الذي يبدو في بعض الأحيان أكاذيب مكدسة على صدر الحقيقة.في المدن الثلاث التي زرناها ينسبون كل جميل وممتع ذا نكهة رومانسية حادة إلى الشاعر الروسي ليرمنتوف، وأساطير القفقاس تبقى من نصيب الذين هم ملحُ الأرض، وتاريخا ينحسر ويضيق بنظر البعض ليصبح تاريخ الروس فيه، والضابط الفاتح أو الذي ينفذ سياسة القيصر العدوانية ضد شعوب القفقاس هو البطل الرائع الذي يملأ الربوع ودا وحبا وكبرياء، ويعطي لكل شيء من حوله مدلولا ومعنى.. حتى عدوانه الصارخ على بنات القبائل وزعمائها يصبح شيئا من بركة جاذبية قلبه الدافئ وحنانه الغامر على أولئك المتوحشين أو المستوحشين الذين ينقلب دفاعهم عن أنفسهم وشرفهم وأرضهم وثقافتهم بنظره إلى قرصنة.. أو إلى "إرهاب" في تعبير عصرنا الأميركي ـ الإسرائيلي؟!.. لا تعجبوا هذا يتكرر في مراحل التاريخ، وموجود في مفاصل الأرض.قُتل الشاعر ليرمنتوف في مبارزة مع مارتينوف وهو ضابط كان زميلا لـه في الكلية الحربية.. حدث ذلك بعد سهرة مثيرة تم فيها تبادل آراء وكلمات وغمزات غير موفقة تفاعلت سلبيا، وتطور الأمر لأن جرى أمام فتيات مثيرات في بيت الجنرال، الأمر الذي ترك بين الضابطين ندبة عار لا يمحوها سوى الدم، فدعا مارتينوف زميله ليرمنتوف إلى المبارزة وأرداه قتيلا على سفح جبل "مَعشوقة"، برصاصة اخترقت صدره ورئتيه وألقته فاقدا الحياة في اللحظة ذاتها التي أطلق فيها ليرمنتوف الرصاص في الهواء، ربما عمدا.. وتلك مفارقة تستحق أن يتوقف عندها المرء.وقد شاهدت الغرفة التي قضى فيها ليرمنتوف ليلته الأخيرة في بيتيجورسك، والمكان الذي تمت فيه المبارزة عند سفح جبل معشوقة، والقلعة التي خدم فيها ضابطا بعض الوقت، وكثيرا من المواقع الأخرى التي نُسِبَت فيما بعد إليه، كما شاهدت ملابسه وبعض أدواته وأوراقه. لم يكن ذلك الشاب ابن السابعة والعشرين الذي ترك رواية مشهورة هي "بطل من زماننا"، وبعض القصص وأربع مسرحيات وعددا كبيرا من القصائد من أشهرها قصيدة "موت شاعر" التي كتبها متأثرا بمصرع الشاعر بوشكين في مبارزة، لم يكن قد عَمَّر ونضج إلى درجة تُكافئ الهالة الكبيرة التي ترافقه، ولكن الزمن الذي يمر يعطي للماضيين من محيط النبلاء شيئا إضافيا، والروس يريدون أن يضفوا على القفقاس انتماء خاصا بهم يجعله لهم، ولذا يرفعون عاليا اسم من زاره أو عاش فيه أو مات على أرضه من أعلامهم.. فبوشكين زار القفقاس وكذلك تولستوي، ولكن ليرمنتوف يكاد يختصر تاريخ ذلك الوجود الذي يطيب للبعض أن يسميه انتماء فقد أطلق عليه اسم "شاعر القفقاس".في تلك الأرض القفقاسية الجميلة يجتمع السحر والتاريخ والوقائع المرة والمعاناة المكتوبة بالدم والدمع، وفيها يستمر حضور الرومانسي وشبه الأسطوري ويستمر ذلك كله في حالة تفاعل حيوي. وأجدني أستشعر الحاجة لقول كلمات في تلك المواقع الجميلة التي أتيح لي أن أزورها. في جلينزفودسك: التي تنتشر على سفوح "بيش تاو" و"معشوقة"، وفي المنخفضات تحت أقدامهما، طبيعة خضراء، غابة كثيفة شُقَّت خلالها الطرق واستظلَّت البيوت بالأشجار، وانتشرت أماكن الاستراحة والمصحات الكبيرة والكثيرة في فضاء تشعر بأنه ينعش الروح.نزلنا في استراحة هي أقرب إلى مصح يحمل اسم (روسيا) وفي كل مصح خدمة جيدة وجهاز من الأطباء والممرضات وعمال الخدمة، ومن حوله طبيعة ساحرة. والليالي الأربع التي قضيتها في الغرفة رقم (421) في تلك الاستراحة لم أستطع أن أستفد منها في لقائي مع الطبيعة التي أعشقها سوى للحظات معدودة في الليل بين العاشرة والربع والحادية عشرة وفي الصباح بين الثامنة والثامنة والنصف بسبب ضغط البرنامج.. كانت إطلالة رائعة من أعلى على بحر من الحضرة يمتد فوق قمم الأشجار التي تشكل أغصانها وأوراقها عناصر ذلك المحيط الممتد بين قمم "بيش تاو" وجبل "معشوقة" اللذين يسمحان لفتحة من السماء في الشرق بأن تمده بنهر من الضوء يتدفق منها في الفجر والصباح والمساء.لولا الطريق التي تمرُّ أمام الفندق "الاستراحة أو المصح" لاستمرت الغابة، ولولا حركة المرور التي تترك دويا مستمرا في الفضاء القريب من غرفتي لساد سكون لا مثيل لـه في الليل وفي الصباح الباكر، سكون لا تجرحه بمحبة تشبه الهمس أو وشوشة المحبين إلا أصوات طيور الغابة وبعض القوارض الصائتة التي تتسلق أشجارها.. في كل الأمكنة تنتشر الغابة التي تخترقها طرق ترابية ضيقة ما أن تسير فيها قليلا حتى تغرق في الخضرة والسكون، تظلك مظلة عالية خضراء تترك فجوات ضيقة تطل منها السماء، أما الشمس فنادرا ما يتاح لأشعتها أن تغمر الأرض وتكتفي بالتلصص عليها سارقة قبلة بشعاع خاطف. موج الخضرة الراكد الممتد بين القمم الخمس ومعشوقة كان يشعرني بأنني محمول فوق الأرض على بساط لا يترك لنظري فرصة رؤية الأرض، كأنما أنا في مركب ذي شراع يطفو في محيط من الخضرة.إن كيسلوفودسك حديقة واسعة، فيها حديقة رسمية أقل اتساعا، قدمت لنا استعراضا سياحيا غنيا، وزودتنا بكثير من الأساطير وسقتنا جرعات من الفنون "موسيقا ورسم وشيء من الغناء الشعبي".. ومياه كيسلوفودسك الحامضة من نبعها الخاص ـ كان أول ما قوبلنا به فيها استقبال رسمي ـ جرى في مدخل البلدة حيث قُدم لنا: الخبزُ والملحُ على الطريقة القفقاسية، مع رقص شعبي قدمته فرقة فنية كانت تنتظرنا خارج المدينة، ولم تفوّت هذه الفرقة أو رسميو المدينة فرصة أخرى، حيث قدمت لنا عرضا آخر على مدرجات جميلة تشرف على الساحة والحديقة. بعد ذلك زرنا موقعا هو فجوات "شبه مغاور" في الجبل، ربما كانت مأوى للقفقاسيين القدامى، وفيه حلقة عالية من الصخر تشرف على منحدر سحيق وقد صعدت إلى هناك فأنا أحب الصعود. زرنا في هذه المدينة بيت مغني الأوبرا الروسي الشهير شالابين، وسمعنا شيئا من غنائه مسجلا على اسطوانات قديمة يبثها "فونوجراف" يعيدك إلى سنوات بعيدة، كما زرنا معرضا فنيا احتفى فيه مثقفو المدينة بنا، وزرنا أيضا الحديقة الجميلة حيث قدِّمت لنا فيها مشاهد وقصائد للشاعر ليرمنتوف بلسان فنانين مصاحَبة بعزف على البيانو. في هذه المدينة ـ الحديقة شاهدت الحمَّامات القديمة على الطريقة العثمانية، وكانت هي الموقع للمياه المعدنية، وفيها شاهدت الكثير من المعالم العمرانية، والوادي الذي "صنع" من جراء غضبة جبل "البروز" كما تقول الأسطورة التي أشرت إليها سابقا، وهم ينسبونه ـ بجماله ـ إلى ليرمنتوف، فكل منظر جميل هو منظر "ليرمنتوفي"؟!لفت نظري في كيسلافودسك المرافقون الذين كانوا يعرِّفون بالمدينة ومعالمها، إذ لم يصمت أي منهم في أثناء تنقلاتنا من مكان إلى مكان، فمن حديث إلى حديث عن المواقع، أو تقديم أساطير المنطقة ومنها حكاية صنع اللبن الرائب، حيث يروون أن القفقاسيين من إحدى القبائل وضعوا حليبهم في موقع، ومرت من هناك فتاة تحمل أزهارا أو بذورا معينة من الغابة فسقط بعضها في الحليب مصادفة فأصبح في اليوم التالي "اللبن الرائب" الذي أعجَب الناسَ، فاستفادوا من اكتشافه وصدَّروا هذا الاكتشاف للآخرين.."إن هذه المدينة التي لم تكن تجد فيها قبل أربع سنوات موضعا لتفاحة على الأرض من كثرة الازدحام على مرافقها وفي شوارعها، بدت شبه فارغة، ولا يوجد فيها حتى أقل من ثلث الزوار"، كما قال لنا رئيس بلديتها.كنا في المنتجع/الاستراحة أربعة من أعضاء الوفد المشارك في احتفالات خاصة بالشاعر ليرمنتوف: الشاعر الكالميكي داود جوكلتينوف والشاعر الشاب أندريه سكارينكن من بيلوروسيا ومرافقي الشاب أَلِغ بافيكين من روسيا، يجمعنا الإفطار كلَّ صباح في غرفة جميلة خاصة بالضيافة، تقع في جانب من المطعم المتسع يشرف على الحديقة، وهي قاعة أنيقة والخدمة فيها محفوفة باللطف والعناية، على الفطور كنا نتجاذب أطراف الحديث.. وكان الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف من الذين شاركوا في الاحتفال بذكرى ليرمنتوف، وهو صديق قديم، ترافقنا في مؤتمرات لاتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، وفي لقاءات ومؤتمرات في الاتحاد السوفييتي وخارجه، واستقبلته في دمشق هو وزوجه وألبسني الفروة الصوفية الطويلة التي يرتديها الداغستاني في الأيام الباردة، وأجرى حوارا مع الكتاب في الاتحاد وألقى شعرا. فرحت بلقائه كما فرح هو بلقائي عندما التقينا في منطقة (فينيجورد) حيث جرى الاحتفال.. تحدثنا كثيرا، ولمع ضوءٌ في عينيه وشعرت بالقفقاس يمور وجعا في عينيه وبالشيخ شامل ينتصب ضوءا في مدى الرؤية، حين ذكَّرته بمقاله الذي نشره في مجلة لوتس وقال فيه: "على الشاعر ألا يكون ظلا لزمنه، حدث معي الأمر التالي: كان ذلك عندما قالوا لي إن بطلي شامل عميل إنجليزي تركي، وأعلنوا أنه لم يحارب من أجل حرية شعوب داغستان، وإنما أشعل الكراهية بين الشعوب، فكتبت القصائد التي تفضح شامل. لم أعرف التاريخ، ولم أفهم جوهر ما حدث، كنت أشبه في ذلك الجبلي الذي يتصفح القرآن وهو يجهل أي حرف من حروف الأبجدية العربية، ومع ذلك فهو يشعر بتجربة الفرح. فالشاعر لا يمكن أن يكون ظلا، لأن كلمة الشعر هي المنار دائما ومنبع الضوء، وإن كان هذا الضوء خافتا، فالضوء الخافت والقوي في آن لا يرمي الظلال.. الضوء يظل ضوءا. وفي الشعر عليك أن تكون نفسك. وحتى تستحوذ على الآخرين، عليك أن تذهب داخل الشعر بمشاعرك الطيبة، فالشعر والمكر، الشعر والتخاذل، لا يلتقيان". (أكتب في وقت واحد عدة أشياء ـ مجلة لوتس ص 169 ـ العدد 61).ختمنا لقاءنا الاحتفالي بالشاعر ليرمنتوف في بيت البلدية بالمدينة، حيث حضر المحافظ ومسؤولو الأقاليم والمدن، ووزعت هدايا على المشاركين بعد تقديم ميدالية ليرمنتوف لكل من: رسول حمزاتوف، وفلاديمير سكالوف الذي توفي بعد أشهر قليلة من ذلك اللقاء، ولمترجم أعمال ليرمنتوف من مكدونيا، وللمحافظ، وللشخص الذي نظَّم الاحتفال وأسس مدرسة فريدة في بيتاجورسك تعتبر أنموذجا للمدرسة المتقدمة علميا.