يعتبرها وسيلة لإيصال رسالته للمجتمع

* الفن لا يعترف بوقت محدد وهناك ارتباط وثيق بين الفكرة والتطبيق
* الفنان لا يستطيع أن يفاضل بين لوحاته لأنها من صياغته واجتهاده
حاوره - خالد بن خليفة السيابي :
لكل فنان واقعه الفني الذي دائما ما يتفرد به من خلال ما يقدمه من مفردات فنية ذات توجه خاص يعمل على بلورته وتأصيله ليكون بمثابة المسار الخاص الذي يواصل عليه التجربة. وقد صنع الفنان التشكيلي فهد المعمري ـ الذي نقترب منه ـ تجربة ثرية مختلفة في حياته الفنية، فقد أسس هذه التجربة وفق رؤاه وتطلعاته الخاصة وسار في مسارات الفن الخاصة به بتعددها وتفردها، وقد أسهم التشكيلي فهد المعمري في الساحة الفنية العمانية بأعمال وعطاءات ثرية عكست تطور الحراك التشكيلي في السلطنة وعرفت العالم بهذه التجربة من خلال مشاركاته المختلفة في الوطن العربي والعالم ....

يشير التشكيلي فهد المعمري إلى روح الفنان والحس الذاتي الداخلي بأن الفنان بطبيعته تنتابه أحاسيس مختلفة قد تتداخل فيما بينها وتتأثر من أبسط الاشياء، خاصة إذا ما علمنا بأنه عود نفسه بالتفاعل فيما بينه وبين العمل الفني ليترجم مشاهد الحياة ومشاكلها، لذا أجد في نفسي ما يحرك إحساسي عبر التفاعل مع مجريات الحياة أيا كانت ظروفها، فتارة يحرك ساكني تلك الاضاءات الساقطة ومحتواها الفني وأبعاده، وتارة يستوقفني احتواء الطبيعة لنفسها، وكثيرا ما أتعجب من خلق الله في الكون فيثير في نفسي وفي مخيلتي الكثير من التساؤلات والمشاهد الذهنية، وهناك قسم آخر وهو من صنيع البشر والأحداث التي ترافقهم كالجرائم الشنيعة والحروب وغيرها سواء كانت شرا أم خيرا، فتلك الأفعال كفيلةُ بأن تثير وتحرك مشاعري تجاهها .

وعن خصوصية الفن في مسيرته يقول "المعمري": الفنان التشكيلي حينما يمارس طقوس الفن باحترافية ممنهجة وواضحة للجمهور وله كمتمرس، هنا سيشعر بمعنى وحقيقة الفن في الحياة، وسيصبح الفن جزءا مهماً في حياته وسيعني له الكثير بل أنه سيشاركه في كل مكان.

حينما دخلت محيط الفن صرت أكرس نفسي لذات الفن وأفكر بماهية وجمالية الفن . فالفنان يقترب من لوحاته الفنية ليقول للعالم من حوله أريد شيئا واحدا حينما أنجز عملاً فنيا، أن أتحدى اللوحة السابقة بهذه اللوحة الجديدة وأقصد بكلامي أن كل لوحة فنية تعلمني الكثير، ولا أرغب إطلاقا في التوقف، فكل ما أتمناه أن أصعد السلم بسلاسة وتأن شديد، إضافة إلى هذه الزاوية هو أنني أطمع أن أحقق هدفا ساميا لكل عمل فني وهو ابراز الرسالة وتوقيتها في المكان والزمان الصحيح.

ويضيف "المعمري": أتعلم الكثير من خلال زيارة المعارض والحلقات الفنية والمراسم بشكل عام، وكل هذه الظروف اتاحت لي فرصة التعلم والتمرس في الفن وأبعاده، وأجد نفسي أنني قدمت الكثير للفن التشكيلي العماني لكل الفئات العمرية، فقد قدمت الحلقة الفنية للأطفال في بدايات مشواري الفني من ٢٠٠٣ إلى ٢٠١٠ بمختلف المجالات، وعلى الصعيد العام قدمت نماذج عديدة من التجارب الفنية.

قريتي مخزون فني

الفنان ابن بيئته، والأديب أيضا، وهذا ما يؤكده الفنان فهد المعمري حيث يقول: قريتي هي المخزون الفني بين حين وآخر أرجع لزقاقها وأشجارها وظلالها وذكريات الطفولة التي استمد منها طاقتي الفنية، وفي اعتقادي أن الفنان العماني محظوظ بهذه البيئة المتفردة بتضاريسها وتنوعها وعاداتها وأعرافها، فكلها أشياء توحي للفنان بالأفكار فكيف اذا اجتمعت هذه المفردات، والفنان الناجح هو من يستطيع احتواء واستبصار كل هذه الأطياف الجمالية في محيطه.

ويذهب "المعمري" في حديثه عن البدايات وعالم الفن ليحدد مساره، وهنا يوضح بدايات العلاقة بالفن أيضا فيقول: دخولي الجاد للفن التشكيلي وهنا اقصد فترة الاحتراف ما بعد ٢٠١٠ حيث عملت على جمع أفكاري وتجاربي الفنية بشكل محكم، فأنا درست الفن ولي تجارب عديدة في معظم المجالات وقد درست الفن بشكل أكاديمي وواجهت تحديات وصعوبات كثيرة وأحلاها مريرة وتعلمت الصبر والإرادة للتقدم في الساحة التشكيلية.

ويضيف "المعمري" أن الفن لا يعترف بوقت محدد في الممارسة، فكل الأوقات مباركـة من عند الله، وهناك ارتباط بين ولادة الفكرة والتطبيق، أي أنني في بعض الأوقات أسارع نفسي كي أوثق تلك الفكرة برسم اسكتش سريع، وأرى أن العمل بشكل عام في أواخر الليل بالنسبة لي دون جدوى وألاحظ كثيراً من الفنانين يبتهجون في هذا التوقيت وكلُ له زاويته. كما أن تقلبات المشاعر مهمة جدا لأي أديب أو كاتب أو شاعر أو فنان لأنها بكل بساطة لو استغلت سيلازمها الإبداع. ولا أنكر بأن هنالك مشاعر لا أستطيع رصدها بأي نشاط فني، ولكن أنصح الفنانـين بالاشتغال على المشاعر في إنجاز الأعمال الفنية، منذ ٢٠١٧م اكتشفت أنني حينما أكون متعبا أرسم وألون بطريقة مغايرة وبصورة إيجابية تماما وانني استخدم ألواناً في مواضع مختلفة تضفي للعمل إحساساً ورونقا لم يكن في الحسبان، كأنك تطلب من العقل الباطن أن يقوم بدوره، كذالك في نهار شهر رمضان المبارك أنتجت أجمل الأعمال الفنية، لذالك انصح الكل بأن يبحث ويكتشف نفسه في هذه الطقوس .

العلاقة مع الفن

وحول علاقة الفنان فهد المعمري بلوحاته يقول: لو وجهت سؤالا لام أو لأب. من تحب من أولادك؟! هنا أتوقع ستكون فترة سكون وطمأنينة وعدم رغبة في الاجابة، لأن المحبة تشملهم جميعا، كذالك هو الحال عند الفنان ولوحاته لا يستطيع أن يفاضل بينها، لأنها من صياغته واجتهاده، ولكن أحببت أن أتطرق إلى نقطه مهمة وهي أن الفنان حينما يكبر في العمر وفي المسيرة الفنية ويراجع ألوانه وخطوات تعامله مع الخامة يتضح له شيء مهم وهو أنه لا يستطيع القول بأنه وصل القمة بل يجد بعض لوحاته محتاجة إلى رعاية وإلى تعامل آخر وهنا الفنان لا يقلل من شأن عمله الفني إنما يدرك حقيقة ما وصل اليه من نضج لذلك الفنان ينتج في السنة مجموعة من الأعمال ولا ريب انه يتعلق بها ولكن عليه الاسراع والبحث في مجموعة أخرى في السنه المقبلة وهكذا فالفن معترك، والفنان يعيش مع أعماله مفكرا باحثا مكتشفا عن كيانه في الفن والحياة .

ويبيّن "المعمري" أهمية مشاركة الفنان التشكيلي في البرامج والمسابقات التشكيلية بكافة أنواعها حيث يقول : المشاركات والفعاليات ربما هي من تكشف الفنان وتوصل رسالته للمجتمع ولا يمكن للفنان ان يستغني عنها بأي شكل من الأشكال. نعم هناك الآن منصات الكترونية اجتماعية تقدم الفنان للوسط الفني والمجتمع، ولكن من وجهة نظري ماهكذا يقرأ الفن وتقرع أبوابه.. إذ أن الفن واقع افتراضي وكيان حقيقي وأحاسيس وألوان وأبعاد لا يمكن التوصل لها عبر الكاميرا وهنا موضوع آخر للتحدث عنه في قادم الوقت.. أي نعم تظهر هذه المواقع الالكترونية الأعمال الفنية ولكن بمحدودية معينة.

النقد والمتابعة

وعن رأيه حول النقد يقول: النقـد الفني في الحقيقة عنصر لا يتجزأ من المنظومة الفنية إذ يبين للفنان جوانب القوة والضعف وعلى الفنان الصاعد او حتى المخضرم أن يهيء نفسه للجانبين خاصة لنقد جوانب الضعف عند الفنان وعليه أن يتقبلها بصدر رحب، ومهم جداً أن يعرف هذا النقد من عند من؟! لان الفنان الحقيقي ذا التجارب المخضرمة يحتاج إلى قارئ جيد لمعرفة تفاصيل عمله، فالنقد له قواعد وأسس، فقد شاهدت كثيرا من الفنانين عالقين في جانب القوة والتي يرافقها مدح متناسين ما يصيب أعمالهم الفنية من خلل، وبالتالي تجد الضعف رفيق مسيرتهم الفنية، وشخصياً اتجهت لأكثر من فنان كي ينقدني ويرشـدني إلى الطريق الصحيح دون التطرق إلى المدح والثناء، فما يدمر الفنان هو المدح والثناء في غير محله.

ويضيف "المعمري" عن قيمة التتويج والجائزة في المشوار الفني فيقول: هي بمثابة الحافز والمشجع وأرى أنها جيدة في مسيرة الفنان، وقد لا يحظى الفنان بالتتويج بالجوائز ولكن لا يعني ذلك أنه دون المستوى، فتقييم الأعمال الفنية ربما من أصعب المهام، وكلٌ محكم له ميوله وأدواته الفنية. ولا تعني الجوائز أنها سلم الغرور إنما هي حوافز معنوية وليست غاية في حد ذاتها.