[author image="http://alwatan.com/files/2014/04/ahmedalma3shany.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد المعشني[/author]كتب أحد الزملاء تغريدة (واتساب) في إحدى المجموعات يصف كورونا بالسجن الناعم، ويتحدث عنه بكل كآبة وقتامة، ويرجمه بألفاظ نابية ومزعجة، ويندب حظه وحظ العالم الذي يئنُّ حسب تعبيره من وطأة هذا الحجر الصحي البيتي، ونسي أنه ليس في سجن، بل هو في بيته المريح، المزود بكل أدوات الرفاه بين أفراد أسرته، وعنده كل ما يحتاج إليه من أغذية ومؤن، ولديه سيارته يركبها للتسوق وتلبية الحاجات الضرورية.لقد تحولت البيوت خلال هذه الفترة إلى ملتقيات أسرية، ولأول مرة تتاح الفرصة لأفراد الأسر أن يلتقوا معاً على مائدة وجبات الطعام، ويؤدون الصلاة جماعة، ويتحلقّون بعد الصلاة لتلاوة القرآن وقراءة الأذكار، ويذكرون الله جماعة، ويدعون لأنفسهم ولبلدهم وللعالم أجمع بأن يُذهب الله الأذى ويحفظ النعمة التي نرفل فيها.كتبت إلى صاحب التغريدة أُذكرّه بخطورة التشاؤم، وأخبرته بأن من الناس من يفتش عن المآسي لكي يعيش الأسى ويختلق الأحزان والأزمات، وهناك من الناس من يركز تفكيره على إيجابية كل موقف يمر به في الحياة..(عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).إن الذين يرددون مفردات التشاؤم ويتحدثون بلغة تراجيدية عن هذا الداء الذي يتعرض له العالم إنما يساعدون من حيث لا يعلمون على انتشار المرض وإضعاف مناعة الناس من حولهم، في الوقت الذي ينشغل آخرون بالبحث والتجارب في سباق محموم من أجل ابتكار دواء ينقذ العالم، كذلك فإن فئة أخرى من الناس علموا وتذكروا أن حياة الدنيا تحمل ثنائية الخير والشر، الصحة والمرض، الرخاء والشدة، والكائن البشري معرّض لجميع هذه الظروف، فلا شدة تدوم ولا رخاء يدوم، ما يدوم هو وجه الله سبحانه وتعالى وحده، هو الحقيقة الأزلية والوجود المطلق، وهذه الظروف التي تنتهك راحة الإنسان ودعته ورفاهيته من وقت لآخر، إنما تختبر وعي الإنسان وكيانه الروحي والنفسي، ماذا سيفعل وكيف سيتصرف؟!.لقد ابتلى الله جميع الأنبياء وهم صفوة خلقه بالاختبارات والمحن الصعبة من مرض وتشرد ونبذ وخوف، واستمرت اختبارات أغلبهم لسنوات طويلة.والهدف من ذلك هو علاج شح الأنفس، مداواة الأنانية وتحرير عقل الإنسان من العبودية والتشبث بما هو معرض للزوال والنفاد، فالحياة بكل ما فيها تمثل طاقة من الوعي، وبؤرة هذا الوعي الصافي تنبع من أعماق الإنسان وتتجه إلى الحياة، وعندما يتدبر الإنسان في صروف الدهر ومفاجآت الحياة، عليه أن يتأمل ويتواصل مع النور في أعماقه، وعندها سيتلقى الإجابات الحقيقية التي تعيد إليه التوازن وتحقق له التوافق، وعندئذٍ سيكون مؤهلاً لخوض تجربة الحياة بكفاءة نفسية وعزيمة روحية متحرراً من الخوف الوهمي والشُّح النفسي.إن السعادة ليست في الدعة ولا في الثراء وليست في المتع الحسّية، كما أنها ليست مقيّدة بالجاه والمنصب..السعادة الحقيقية في معرفة الله وفي الإقبال عليه في أعماقنا، وبأفكارنا ومعتقداتنا ومشاعرنا، حتى يتحقق لنا السلام الداخلي الذي يخلصنا من كل تعلق وهمي.* رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية