توقف بنا الحديث في المقال السابق ـ قرائي الكرام ـ عند علماء اللغة وتعريفهم للون، وما يدور في فلكه من خصائص ومميزات تخصصه عما سواه، ووقفنا عند تساؤل مهم ألا وهو: كيف ندرك اللون؟ ولماذا نستريح للون دون الأخر فضلا عن تمييزنا بينها بسهولة على الرغم من تقارب بعضها من بعض أحياناً؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب علينا أن نذهب إلى علماء التخصص، ونسبح في بحر تخصصهم، ونغوص في أعماقها، لنستخرج لآلئ اتفاقهم واختلافهم حولهذا الأمر، ومن هنا اسمحوا لي ـ قرائي الكرام ـ أن أصحبكم في هذه الرحلة المبهرة باستكشافاتها، الجميلة بألوانها، تأملوا معي هذه الآية:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ) (البقرة ـ ١٧)، جاء في (تفسير الشعراوي 1/ 171): أن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة، إنهم أوقدوا هذه النار، لتعطيهم نوراً يريهم طريق الإيمان (مَثَلُهُمْ" كَمَثَل الذي استوقد نَاراً) أي: حاول أن يوقد ناراً، وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه، وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم ، ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني، في قوله تعالى:(ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ) ولم يقل ذهب الله بضوئهم، مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء، ما هو الفرق بين الضوء والنور؟ إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس ـ ٥)، نجدأن الضوء أقوى من النور، والضوء لايأتي إلا من إشعاع ذاتي، فالشمس ذاتية الإضاءة، ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور، وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نوراً، ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس فلو أن الحق تبارك وتعالى قال:(ذهب الله بضوئهم)، لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور، ولكنه أبقى لهم النور، فإذا ضاع النور ضاع الإبصار، ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام، وهذه معجزة قرآنية اكتشفها ..اهـ، ويقول صاحب (البحر المحيط في التفسير 1/ 123):(لأن الظلمة تسد البصر وتمنع الرؤية، ومعنى الإبصار: الرؤية)، وجاء في (موجز دائرة المعارف الإسلامية 28/ 8854) أن (اللون هو ظاهرة فيزيائية للضوء، أو هو الإدراك البصري الذي يتركه الضوء عند سقوطه على العين، وهو إحساس وليس مادة ملونة، وليس ناتج تحليل الضوء الأبيض، إنه الإحساس المنقول إلى الدماغ المتولد من رؤية جسم ملون مضاء، ولون من السمات المميزة للغة العربية ثراؤها الشديد بالمفردات الدالة على الدرجات اللونية، فأنه قد رؤى أن كل تفصيله مهما دقت، وكل درجة لونية مهما ضؤلت، تتطلب اسما هو وقف عليها وحدها.. اهـ ، كما أن الجاحظ له رأي متقارب مما سبق، ففي رأيه أن هناك علاقة وطيدة بين اللون والضوء، وأن الضوء يؤثر في اللون ويظهره، وأن العين ترى الألوان بطريقتها، وإليك ـ أخي العزيز ـ تفصيل قوله الذي ذكره في كتابه:(الحيوان ـ باب الأضواء والألوان 5/ 30): ـ النار حرّ وضياء، ولكلّ ضياء بياض ونور، وليس لكلّ بياض نور وضياء، والضياء ليس بلون، لأن الألوان تتفاسد، وذلك شائع في كلها، وعامّ في جميعها، فاللبن والحبر يتفاسدان، ويتمازج التراب اليابس والماء السائل، كما يتمازج الحارّ والبارد، والحلو والحامض، فصنيع البياض في السواد، كصنيع السواد في البياض، والتفاسد الذي يقع بين الخضرة والحمرة، فبذلك الوزن يقع بين البياض وجميع الألوان، وقد رأينا أن البياض ميّاع مفسد لسائر الألوان، فأنت قد ترى الضياء على خلاف ذلك، لأنه إذا سقط على الألوان المختلفة كان عمله فيها عملاً واحداً، وهو التفصيل بين أجناسها، ويطرح الإمام الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 2/ 314): ما الوقود؟ وما النار؟ وما الإضاءة؟ وما النور؟ وما الظلمة؟ الجواب: أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء حار محرق، واشتقاقها من نار ينور إذ انفر، لأن فيها حركة واضطراباً، والنور مشتق منها وهو ضوؤها، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة، تقول: أضاء القمر الظلمة، وأضاء القمر بمعنى استضاء، وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به، وحال لونه أي تغير لونه، والحول الانقلاب، والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان، يقال: أضاءت النار بنفسها وأضاء تغيرها، وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي: صيره مظلما، إلى ما حوله، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، هلا قيل:(ذهب الله بضوئه مل قوله)؟ الجواب: ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، فلو قيل ذهب الله بضوئه ملأوهم ذهابا لكمال وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم بالكلية، والظلمة: عبارة عن عدم النور، وكيف جمعها؟ وكيف نكرها؟ وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة؟ لمقال، ولم يقل:(أذهب الله نورهم) والجواب: الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه، والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه..اهـ . وذلك (أن الضوء من الكيفيات التي تعمل عملها في الأجسام الشفافة، بينما اللون فى الأجسام المعتمة، وهذه الأجسام تكون معتمة بالقوة، وقد يوجد اللون دون أن يكون مرئياً، ولكن لا يقوم اللون بالفعل إلا بفضل نصاعته، وواقعاً لأمر أن الألوان لا وجود لها في الأجسام، والجسم الأسود القاتم هو جسم ملون بالقوة، والشيء الذى يبدو ملوناً حين يسلط عليه الضوء لا يكون ملوناً في الظلام) (موجز دائرة المعارف الإسلامية 28/ 8854)، ويقول صاحب كتاب (العقيدة في الله، لعمر الأشقر العتيبي، ص: 158)، فللعين عدسة تستقبل الضوء، وفتحة ينفذ الضوء من خلالها، ليخترق العدسة، وتلك الفتحة التي ينفذ منها الضوء في العين تتسع تلقائياً في الضوء الخافت، وتضيق تلقائياً إذا كان الضوء شديداً، والحكمة من ذلك واضحة، ففي حالة الضوء الخافت تحتاج عملية الإبصار إلى كمية كبيرة من الضوء، أمّا في حالة الضوء الشديد فتكفي كمية قليلة منه لكي تتضح الأشياء المرئية، والعين ترى الأشياء في ضوء خافت، ولم يتمكن عقل الإنسان من اختراع آلة تصوير يمكنها التقاط صور المرئيات في مثل هذا الضوء، وكما أنّ النحل قادر على رؤية الأشعة فوق البنفسجية، فإنّ البومة في إمكانها رؤية الأشعة تحت الحمراء التي لا نراها، وهي أشعة حرارية، ولذا فالبومة تستطيع أن تبصر الفأر في الظلام الدامس عن طريق الأشعة الحرارية تحت الحمراء التي تشع من جسده الدافئ، وينفذ شعاع الضوء من العدسة ليقع على الشبكية عند قاع العين، وتتكون الشبكية من تسع طبقات مختلفة، ولا تزيد في مجموعها عن سمك ورقة رقيقة، والطبقة التي في أقصى قاع العين تتكون من ملايين من الأعواد والمخروطات منتظمة فيتناسب محكم يمكنها أن تميز الألوان ويتولى العصب البصر ينقل هذا الإحساس إلى مركز معين في المخ يترجم الإحساس إلى صورة مرئية تبصرها العين بوضوح، وتلك التنظيمات العجيبة للعدسات والأعواد والمخروطات والأعصاب لابدّ أن تكون قد حدثت في وقت واحد إذ إنه إذ المتوجد جميعها معاً في وقت واحد فإنّ الإبصار يصبح مستحيلاً، فكيف استطاعت جميع هذه العوامل أن يُكمّل بعضها بعضاً في وقت واحد؟ وللإجابة عن هذا السؤال يكون لقاؤنا القادم.محمود عدلي الشريف[email protected]