[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/fawzy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]فوزي رمضان
صحفي مصري[/author]
حين ضربت الأزمة المالية العالم، حينها كان لبنان هو الملاذ الآمن لكافة الأموال الباحثة عن ملجأ، وشكل اللبنانيون ـ لثراء بعضهم ـ المرتبة الأولى من طبقة مليارديرات العالم، عرفنا عنهم الزهد في الوظائف العامة، وانجذابهم نحو المال والتجارة، عهدناهم مغرمين بالاغتراب والسفر، فانتشروا في كل بقاع الأرض، وأصبحت التحويلات المالية لبلدهم تشكل 20% من الاقتصاد اللبناني.
لبنان البلد الحاضن لأكثر من مليون ونصف من اللاجئين السوريين، ونحو نصف مليون آخر من اللاجئين الفلسطينيين، ونحو 3 ملايين آخرين من العمالة الآسيوية والإفريقية، بلد يعتمد على بعض مداخيل النفط، وعلى كل إيراد الخدمات، فأصبح اقتصاده ريعيا، قائما على المساعدات لا على الإنتاج وجذب الاستثمار، بات الاقتصاد رهينة توجهات السلطة، وأصبحت غايته خدمة مصالح الفئة الحاكمة على حساب باقي طبقات الشعب، ومن هنا بدأ الانهيار واضحا، ومع تعاقب الحكومات تقاذف المسؤولون المسؤولية فيما بينهم دون حل.
كان لتراكم السياسات المتخبطة أن أنهكت المالية العامة، واستهلك كل المخزون من الاحتياطي النقدي، وفقدت الليرة أكثر من 40% من قيمتها، وباتت تعادل 2400 ليرة مقابل الدولار الواحد في السوق الموازية، ما دفع البنوك لوضع قيود قاسية على سحوبات المودعين، حيث لا تتعدى 300 دولار في الأسبوع، مع تقسيط رواتب الموظفين اللبنانيين، كما استغلت بعض المصارف أزمة المودعين، عارضة عليهم مقايضة أموالهم بشقق وعقارات.
فكرت الحكومة اللبنانية اللجوء لصندوق النقد الدولي، فكانت له الشروط قبل البت في إقراضها، منها إصلاحات اقتصادية وهيكلية، والبحث عن مداخيل تدر إيرادات دائمة، مع تحرير سعر الليرة، والتخلص من 20% من موظفي القطاع العام، مع إصلاح سوق العمل، وتقليص الحد الأدنى للأجور، إصلاح النظام الضريبي لتحصيل أكثر من 4 مليارات دولار متهربة من دافعي الضرائب.
ومع ارتفاع موجة الاحتجاجات الشعبية المستمرة، بات خيار صندوق النقد الدولي صعبا، وأصبح إعلان الإفلاس وشيكا، لكن انحصر خيار الإفلاس بين النموذج اليوناني عندما أعلنت الدولة إفلاسها، وخرجت من أزمتها، أو الخيار الفنزويلي حين أصر الرئيس مادورو على الاستمرار في دفع الديون على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، فتضخمت الأزمة وانهار البوليفار الفنزويلي.
ومع صعوبة إعلان الإفلاس، والذي سيترتب عليه فقدان الأسواق المالية الثقة في الدولة اللبنانية، مع تخفيض تصنيفها والتوصية بعدم الاستثمار فيها ـ وكما كان متوقعا ـ خرج حسان دياب رئيس الوزراء اللبناني معلنا أن لبنان بات غير قادر على سداد ديونه المستحقة في اليوم التاسع من هذا الشهر، والتي تبلغ 1.2 مليار دولار مستحقة السداد، بعد أن وصل الدين العام إلى 90 مليار دولار، بات يشكل 170% من الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك تكون لبنان الدولة الأكثر مديونية في العالم، وأصبح الدين العام أكبر بكثير من قدرة لبنان على السداد.
لقد عاش اللبنانيون وهما كبيرا، وكأن الأمور تسير على ما يرام، لكن كان لبنان يغرق في دوامة الديون وفوائدها، مع تدنٍّ ملحوظ في مستوى الاحتياطي بالعملة الأجنبية، كل هذا أدى إلى مزيد من الضغوط على العملة الوطنية. وبلغت الأزمة مداها مع تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال الخارجية، إضافة إلى اندلاع المظاهرات احتجاجا على الفساد في أجهزة الدولة وسوء الإدارة، تكمن مشكلة الاقتصاد اللبناني في اعتماده الكامل على الاستيراد، ولم يوجه نحو الإنتاج والعمل، وزرع الوظائف والمهن، أو جلب الاستثمار لتوطين السلع المستوردة، التي تنخر في الاحتياطي النقدي إلى حد الإفلاس.
جاء تخلص لبنان من 70% من ديونه، رغم أنه لا يساءل قانونيا، ولا يعاقب دوليا، ولا يتعرض لتبعات عقابية، حيث الإفلاس هنا يصبح عجزا سياديا، والذي يأتي نتيجة الديون الخارجية المفرطة، أو ارتفاع سعر الفائدة أو ضعف العائدات، أو حال انهيار الدولة أو انهيار عملتها الوطنية، واضطر حسان دياب يبرر وقف استحقاقات 9 مارس من الديون بأنها جاءت لظروف استخدام هذا المبلغ في تأمين الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني، فكيف تدفع الحكومة للدائنين في الخارج واللبنانيون لا يمكنهم الحصول على أموالهم من حساباتهم المصرفية؟!
سقط لبنان في دوامة العجز الاقتصادي إلى حد الانهيار، وتحطمت كل المداخيل والإيرادات إلى حد الإفلاس، كما جاء بالضبط في كتاب "ثورات الربيع العربي" لتلحق هي الأخرى بطابور الدول العربية المنهارة.