[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedabdel.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد عبد الصادق[/author]
منذ أعلنت الصين في آخر أيام العام المنقضي عن تفشي "كورونا" على أراضيها والعالم يعيش كابوسا عظيما، فـ"كورونا" يرفض الرحيل أو التراجع، وتعدت أعداد المصابين به المائة ألف، مات منهم قرابة 3500؛ معظمهم في الصين وكوريا الجنوبية وإيران وإيطاليا، ووصل لأكثر من 90 دولة في قارات العالم الخمس، وخيم شبح "كورونا" على العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الدول، وأصبح الشغل الشاغل لكل دول العالم حماية شعبها من مواجهة هذا الوباء اللعين، دون النظر للتأثيرات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
معضلة "كورونا" أنه فيروس غامض، تضاربت الآراء حول نشأته، فبينما أكد باحثون أن منشأه سوق السمك بمدينة ووهان الصينية، وأن سببه أكل الصينيين للخفافيش وأكل النمل والفئران البرية، شكك آخرون في تلك الرواية بدليل ظهور حالات كورونا قاتلة في إيطاليا ليس لأصحابها علاقة بالصين ولا الطعام الصيني، ولا يوجد حتى الآن لقاح أو مصل للوقاية من خطر "كورونا"، كما لم يتوصل العلماء لعلاج له، ويعتمد شفاء حاملي الفيروس على قوة مناعتهم مع تناول المضادات الحيوية المستخدمة في علاج الالتهاب الرئوي المصاحب للمرض، كما أن سرعة انتشار "كورونا" هي أُم المشاكل؛ فكل يوم تتزايد أعداد المصابين ويكتشف العالم بؤرا جديدة، مما سبب حالة من الهلع دفعت كثيرا من الدول لإغلاق حدودها وعزل مدن ومناطق بأكملها، في سعيها لاحتواء الوباء القاتل.
تسبب "كورونا" في حالة من الاحتقان في العلاقات بين الدول والشعوب التي تربطها مصالح وعلاقات مصيرية، نتيجة اتخاذ بعض الدول إجراءات صحية صارمة كاشتراط حمل بعض الجنسيات شهادة خلو من "كورونا" وفرض قيود على حركة الانتقال والسفر عبر الحدود ووقف خطوط الطيران والحركة الجوية بينها وبين بعض الدول التي ظهرت فيها إصابات "كورونا"؛ سعيا منها لحماية أرضها وشعبها من خطر انتقال العدوى، بينما يرى مواطنو هذه الدول الذين تضرروا من هذه الإجراءات، أن هناك تشددا ومبالغة في الإجراءات التي وصفوها بغير المبررة؛ وحجتهم في ذلك أنه لم يتم اكتشاف حالات إصابة مؤكدة قادمة من دولتهم التي خص الحظر مواطنيها دون غيرهم من الجنسيات التي ظهر فيها "كورونا".
كان الدور الأبرز في أزمة "كورونا" لمنظمة الصحة العالمية التي قدمت المشورة الطبية لكيفية التعامل مع المرض وكانت همزة الوصل بين الدول لتتبع خط سير الحالات المصابة ومحاولة الوصول للمخالطين لها، وأمكن اكتشاف عشرات الإصابات بفضل المعلومات التي قدمتها المنظمة، كما انتقلت بعثات منها إلى الدول الأكثر إصابة للمساعدة على وقف انتشار المرض، الذي يهدد النظام الدولي في عصر العولمة؛ حيث التقدم المذهل في وسائل الاتصال ووسائط النقل التي تنشر الأوبئة والآفات بسرعة رهيبة.
حتى الآن ما زالت خسائر "كورونا" البشرية محدودة؛ مقارنة ـ مثلا ـ بالإنفلونزا الإسبانية التي ضربت العالم نهاية الحرب العالمية الأولى في العام 1918م، وراح ضحيتها زهاء خمسين مليونا من البشر، وقيل وقتها إن البكتيريا المسببة لها نشأت في خنادق الجنود القذرة على الحدود الفرنسية الألمانية، ونقلها الجنود المسرحون لأسرهم وقراهم على امتداد القارة العجوز، وانتقل المرض إلى أميركا وحصد أرواح الآلاف أكثر ممن مات في الحرب.
هناك جهود علمية حثيثة في الصين والغرب للوصول إلى مصل للوقاية أوعلاج لـ"كورونا", وهناك آمال معقود على التقدم التكنولوجي وتطور البحث العلمي والتعاون الدولي لمحاصرة "كورونا" قبل أن يستفحل ويتحول إلى وباء عالمي يصعب السيطرة عليه.
يضرب "كورونا" والعالم يعيش حالة من الأنانية والاستعلاء والعنصرية، مع تنامي الدعوات الشعبوية القومية التي تروج لانكفاء الدول على نفسها وغلق الحدود ومنع الهجرة والتحريض على الأجانب، ولكن ظهور "كورونا قلب السحر على الساحر فأحزاب اليمين الإيطالي المتطرف التي كانت تنادي بإغلاق الحدود في وجه المهاجرين، تعاني اليوم بعد ضرب "كورونا" لمدن الشمال الإيطالية الصناعية الغنية من حصار أوروبي شل الحركة فيها؛ بعد ظهور دعوات متطرفة في فرنسا والنمسا لإغلاق المعابر الحدودية مع إيطاليا التي سجلت أكبر نسبة إصابة ووفيات في أوروبا جراء "كورونا".