« الوطن» بالتعاون مع الادعاء العاميعيش العالم، منذ عقودٍ من الزمان، تطورًا تكنولوجيًّا ومعرفيًّا هائلاً، يستقطب إسهامات كبار العقول عبر الزمان، الأمر الذي يبرز من خلالِه قوة الفكر المبتكر، وتقدُّم العلم بشكلٍ غير محدود، لتصبح حياتنا، أكثر سلاسةً وجمالاً، وأكثر تلونًا وزهاءً.ويعدُّ اختراع الشبكة المعلوماتية (الانترنت)، من العلوم التي غيَّرت العالم، بشكلٍ جذريٍّ ودراماتيكيّ، حيث اختزل المسافات والمساحات، لنصبح – قولاً واحدًا - نعيشُ في قريةٍ صغيرةٍ؛ ليتحول أغلب ما كُنا نحسبه مُستحيلاً، مُمكِنًا ومتاحًا لشريحةٍ عريضةٍ من الجمهور؛ ومع ذلك، فالأمر لم يقف عند هذا الحد.فالعقل البشري يتجدَّد باستمرار، ويتحول دومًا من طموحٍ إلى آخر، أكثر عُمقًا وأشد منه غورًا.كل هذا التطور والنماء في العقل البشري، يكسب الحياة وتيرةً أسرع، وبريقًا أجمل، ومستقبلاً أكثر رقيًّا، وأسهل تعاطيًا.انبثق عن هذا الحراك الفكري ما يُسمى بتقنية الـ(Blockchain )، الـ"بلوك تشين"، أو سلسلة الكتل الرقمية، كما نسميها نحن العرب؛ لتبدأ معها سلسلة جديدة من الثورة التقنية، لربما تتجاوز سابقتها (ثورة الانترنت).وبتسليط الضوء على تقنية البلوك تشين، وبإيجازٍ شديد، لسهولة الإحاطة بها؛ فلنتخيل جدلاً أن كلّ الأشخاص في العالم سجّلوا مُمتلكاتهم في سِجلٍ مُوحدٍ أو جدولٍ موجود على الشبكة المعلوماتية وبشكل يمكن الاطلاع عليه من الجميع، ويكون للجميع فيها محفظةٌ رقميةٌ، تبين ما يمتلكونه بشكلٍ يسمح معه نقل الملكية من شخصٍ إلى آخر عبر تقنيةٍ مُعينة آمنة، دون الحاجة إلى جهةٍ أخرى لتوثيقِ العملية، وبشكلٍ سريعٍ، عابرٍ للحدودِ والقارات، وبتطبيق مُيسَّر ومبتكر.وللدخولِ في الفكرةِ العامةِ بشكلٍ أكثر خصوصيَّة ودقة، فإن التقنية تتلخَّص في فكرةِ وجود سجلات رقمية ببياناتٍ مُشفرة غير مركزية، موزعة على المستخدمين، يتم تسجيل التعاملات عليها مع وجود نسخة أصلية منها لدى حواسيب جمع من المشتركين، يراقبون ما يتم من إجراءات، تمهيدًا للتصديق على صحة المعاملة، بطريقةٍ آلية، تتحدث تلقائيًا، مُلغيةً معها الحاجة إلى طرفٍ ثالثٍ موثوقٍ، توكّل إليه هذه المهمة (بنك، شركة، دائرة عقارية،...إلخ)، بشكلٍ آمنٍ، لا يمكن اختراقه؛ ويمكن للأطراف، من خلال التقنية، الوقوف على تاريخ المعاملة، وجميع الإجراءات التي بوشرت فيها؛ الأمر الذي قد يبزغ معه فجرٌ جديدٌ وفلسفةٌ جديدةٌ بأن يتغير معه مبدأ الثقة المركزية إلى الثقة الموزعة أو اللامركزية.ولما كان المقال يتَّضح دومًا بالمثال، كما جاء في الأثر، سأعرض تاليًا مثالاً لكيفية التعامل مع المال المعروض للبيع، ابتداءً بالإيجاب والقبول، وانتهاءً بنقل الملكية إلى المشتري، وفق الصورة التقليدية؛ ثم أعرض في موازاةِ ذلك، كيف ستتم العملية وفق هذه تقنية الحديثة.مثال لمبايعة تقليدية:نفترضُ أن (أ) من الناس يرغب في شراءِ قطعة أرض من (ب)، ففي الوضع التقليدي المعاش، فإن (أ) سيصل إلى علمه ابتداءً عن وجودِ قطعة أرضٍ معروضة للبيع، وأن هذه المعلومة قد تصله أمَّا شفاهةً أو عبر وسائل التواصُل الاجتماعيّ، سواءً من صاحب المال مُباشرةً، أو عبر وسيط؛ ليعقب ذلك تحديدِ موعدٍ لالتقاء طرفي التعاقد، البائع والمشتري، لدى طرفٍ ثالث، هو الجهة المعنيَّة بتوثيقِ المبايعة ونقل الملكية من (ب) إلى (أ).هذه العملية، كما هو معروف، تتطلَّب توثيقها في سجلٍ خاص، أمام موظفٍ مُختص، يتقاضى راتبًا من الدولة، مع ضرورة المثول أمامه في أوقاتٍ مُحدَّدة، هي في الغالب الأعم أقصر بكثيرٍ من أوقات الدوام الرّسميّ؛ وهو الأمر الذي ينتج عنه إطالة في أمدِ إنجاز المعاملة.المبايعة وفق تقنية البلوك تشين:وفي موازاة هذه الآلية التقليدية، فإن المبايعة، باستخدام تقنية الـ"بلوكتشين"، لا تعرف بتاتًا هذه الإجراءات المطوّلة، ولا الانتقال إلى جهةٍ بعينها؛ ليس لقيامها على مبدأ لا مركزية الإدارة فحسب؛ بل لعدم اعترافها بوجودِ مُوظفٍ مُختص بالمرَّة؛ فالمعاملات تُنجز، بين مُستخدمي هذه التقنية، بدون وسيط؛ فهي لذلك، لا يقربها البيروقراطية، لا من قريبٍ ولا من بعيد.ولمعرفة كيف يتحقَّق هذا الإنجاز الذي يُسابق الزمن، سنستعين مُجدَّدًا بالمثال السَّابق، لبيان كيف سيعرض البائع أرضه للبيع؛ ثم كيف سيصل إلى المشتري العلم بوجود العرض؛ ليعقبه بيانٌ لكيفية إتمام المبايعة، والعملة المستخدمة؛ وذلك كلّه لسهولة تقريب هذه الفِكرة المعاصرة إلى أذهان جمهور القُرَّاء؛ فالمقالُ بالمثالِ يُفهمُ، كما أشرنا سلفًا.باستخدام تقنية البلوكتشين، فالأمر يتطلَّب أن يكون لدى طرفيّ التعاقد، البائع والمشتري، محفظة رقمية (يمكن شراؤها بسهولةٍ عبر الشبكة المعلوماتية)، مُسجَّلة بأسمائهما الخاصة، كلٍّ على حِدة، فيُسجل كلٌّ منهما ما يمتلكه بدقةٍ في محفظتِه الخاصة؛ ثم يُوصِل المحفظة بتقنية البلوك تشين، التي تجيز له تحديد ما يرغب وما لا يرغب الإطلاع عليه من قبل العامة؛ وذلك حفظًا للخصوصية؛ مع ملاحظة أن هذه المحافظ تظهر بأسماء مستعارة أو برموز؛ وذلك كلّه، استجابةً لدواعي الخصوصية.وبالإشارة الى المثال السَّابق، ولتلافي عيوبه، وبتطبيق تقنية البلوك تشين، سيقوم الطرف (ب) بعرض السِّلعة للبيع، ويطلب مقابلها إحدى العملات الرقمية المعروفة (بيتكوين، إيثيريوم، داش، نانو...)؛ فيتقدَّم (أ) بطلب الشراء، وينقر على الزر الخاص بتحويل المبلغ.يُذكر، فإن المعاملة لن تتم، إلا بعد إقرارها من قبل مجموعة الحواسيب المنضمّة مع (أ، ب) في البلوك تشين.فإذا تمخّضت عملية التدقيق الآلي على المعاملة عن ثبوت عدم قيد الأرض مثلاً باسم (ب)، وإنما باسم زوجته، أو أحد أفراد أسرته؛ فإن المعاملة سترفض آليًا من قبل تلك الحواسيب؛ وسيستحيل بالتبعية إنجازها.عملية التدقيق هذه تتم في زمنٍ قياسيِّ، لا تتجاوز بضع دقائق، بغض النظر عن مكان تواجد المتعاقدين، وإن كانا في دولتين مختلفتين؛ بل وفي قارتين متباعدتين.الأمر الذي يعني جهدا أقل، وسرعة أكبر، ونسبة خطأ أقل؛ ناهيك عن تضاؤل امكانية التزوير في المعلومات لنسبة تقارب المستحيل، لكون جميع التعاملات موثقة بسلسلةٍ مع سابقاتها.تكشف التقنية التعاملات السابقة:الجديرُ بالذكر، فأن تقنية بلوك تشين لها القدرة على الكشف عن كافة التعاملات السَّابقة على قطعة الأرض، التي أشرنا إليها في المثال السَّابق؛ عدا عن ظهور رُموز تكشف عن مُلاكها السَّابقون، منذ لحظة تسجيلها، وهو ما يُعزِّز الشفافية الكاملة.وتبدو فائدة هذه التقنية أكثر وضوحًا في السِّلع العُرضة للتلف مع الاستخدام، مثل المركبات، على سبيل المثال.حيث يكون في مقدور التقنية بيان كلّ الاجراءات التي تلت تسجيلها الأول، من صيانةٍ أو حوادث سابقة؛ وكذا الملَّاك السَّابقين، وهو الأمر الذي يوفر الشفافية، وبالتالي المصداقية في التعاملات؛ سيّما عند اتجاه الرغبة إلى شرائها.علاقتها بعُملة البيتكوين:والجدير بالذكر أن تقنية سلسلة الكتل الرقمية هي التي مهدت لظهور عملة (بيتكوين) الرقمية في عام 2008م، من قبل من سُمي بالمجهول المعروف الياباني ساتوشي ناكاموتو، والتي مهدت لظهور غيرها من العملات الرقمية العديدة، مثل (الإيثيريوم، الريبل، بيتكوين كاش، الداش، إلى آخر ذلك)، والتي لاقت رواجًا كبيرًا على نطاق الشخوص المادية والمعنوية، على حدٍّ سواء، كبوابةٍ للإستثمار العالمي.عيوب التقنية:إن ما يعيب على هذه التقنية، التي تبدو إيجابيةً، وواعدة جدًا، هو عدم وجود تشريع منظم لها، حتى اللحظة؛ والاعتماد جُلّه قائمٌ على القوانين التقليدية، التي قد لا تستوعب جميع مجالاتها، وتشعباتها؛ الأمر الذي يتحتَّم معه البحث عن مظلةٍ قانونيةٍ، لتغطية كل التحديات المحتملة، بما يتّسِق مع القواعد القانونية الثابتة (المدنية والتجارية والجزائية)؛ سيما وأنه ظهر في الآونة القريبة حراكٌ قانوني حثيث، في كثيرٍ من الأنظمةِ المقارنة، لوضع الترتيبات اللازمة للتعاطي مع هذا النمط العالمي العصري الوشيك في إتمام الأعمال.الموقف العالمي من التقنية:لعل من أبرز الدُّول التي أظهرت اهتمامًا في تطبيق تقنية البلوك تشين، بشكلٍ فعليّ، هي المملكة المتحدة، حيث أوصى مجلس اللّوردات باستكشاف التطبيقات الممكنة لتنقية بلوك تشين في كل ما يتعلق بالصِّحة والمواصلات والتمويل وأمن المعلومات، ومسائل الهجرة وخلافها؛ فضلاً عن قيامها بإصدار مجلة توعوية مُحكَّمة، تتعلق بتقنية البلوك شين؛ وأنشأت جمعيةً باسم الجمعية البريطانية للبلوك تشين.كما أن استراليا كذلك أظهرت اهتمامًا بهذا القضية، وأنشأت معهدًا لدراسات تقنية البلوك تشين؛ ومن المقرَّر أن تصدر عُملة رقمية خاصة بها؛ وأن تحدِّد جهة تعمل على تطوير التقنيات المصاحبة لهذه التقنية، بمتابعة ودعمٍ حكومي.الأمر ذاته في سنغافورة، وذلك بقيام السُّلطات النقدية في البلاد بالتعاون مع البنك السنغافوري بإجراء تحالفٍ، يقصد منه وضع تسويات بنكية عبر تقنية بلوك تشين.أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فهناك حِراكٌ غير عادي في تصدر أكبر الشركات العاملة في مجال تطوير البلوك تشين عالميًا.وتعد شركات مثل (IBM Microsoft) إحدى أكبر مطوري التقنية، كما أن العديد من المصارف الأمريكية ضربت وقتًا من الزمن للبدء باستخدام التقنية في تعاملاتِها بشكلٍ مُباشر.وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في إمارة دبي تحديدًا، إحدى أهم أوجه النور في المنطقة، فيما يتعلق بهذه التقنية، حيث أخذت تعد العدة لأن تعمل حكومتها بشكلٍ كامل على تقنية البلوك تشين بحلول عام 2021م، ومن المتوقع أن تغطي ذلك مجالات عديدة، منها تأشيرات الدخول والإقامة والرخص المهنية، ودفع الفواتير وعمليات الملكية، والمواصلات، والقطاع الطبي والتمويل، وغيرها الكثير من القطاعات.أشارت الدراسات المبدئية لديهم بأن من شأن استخدام هذه التقنية في القطاعات المذكورة، اختصار أكثر من (25) مليون ساعة عمل سنويًا.وقد أنشأت مدينة دبي مراكز أبحاث مُتخصِّصة لتطوير هذا المجال، تضم من خلالها مؤسسات حكومية وخاصة فضلاً عن مُشاركتها في العديد من المؤتمرات العالمية ذات العلاقة.إنترنت الأشياء:أخيرًا، يمكن القول أن تطبيقات البلوك تشين تُعدُّ مناخًا خصبًا للغالبية العُظمى من التعاملات المُستقبلية، القائمة على أفكارٍ، كنا نراها خيالاً علميًا، إلى وقتٍ قريب؛ أضحت اليوم حقيقة، نتلمس إرهاصاتها الأولى؛ ومن ذلك، ما يُعرف بـ"إنترنت الأشياء"، والمعروفة بـ(Internet of things)، والتي تعني امكانية تزويد كل المنقولات لدينا بخاصية الاتصال بالانترنت، وأن تتصل ببعضها البعض بشكلٍ يخدم الإنسان.فإذا تعطلت مركبتك مثلاً، أثناء قيادتك لها على الطريق، فسيكون في مقدورها أن ترسل لهاتفك الذكي إشعارًا بالعطل، وسيبين لك الهاتف بشكلٍ آليٍّ أقرب ورشة يمكن لك التوقف عندها؛ وستردك رسالة، على ضوء ذلك، من الورشة ذاتها بوجود القطعة التي يلزم تغييرها لديهم، كل هذا دون تدخل من الانسان.وتسمح هذه الخاصية بتواصل الأجهزة مع بعضها البعض، خدمةً للإنسان.فيمكن لثلاجتك في البيت أن تتواصل معك من تلقاء نفسها لتبلغك بوجوب شراء مزيدٍ من الفاكهة؛ لأنها شارفت على النفاد؛ وستتم بعدها كافة العقود بشكلٍ ذكيٍّ، وباستخدام البلوك تشين وفي لحظات.وأخيرًا، ومن خلال اطّلاعي على الحراك العالمي السريع في هذا المجال التقني؛ أستطيع الجزم يقينًا بأن تقنية البلوك تشين هي الحل العالمي القادم والتوجه المدني الاقتصادي الجديد.وهذا ما سيتكشف لنا خلال السنوات القليلة القادمة. وكيل ادّعاء عام أول / غيث بن صالح المحروقي