رئيس الادارة العامة للتفتيش القضائي لـ(الوطن): 13 محكمة استئناف و45 محكمة ابتدائية بمختلف المحافظات لتقريب العدالة بين المتقاضين ـ حصول السلطنة على المركز الاول دوليا في مؤشرات الحكم الجيد والأولى عربيا في نزاهة وشفافية واستقلال القضاء ـ لائحة جديدة للتفتيش القضائي تنظم طرق التفتيش على أعمال القضاة والأحكام وتعمل على الاستفادة من أحدث التجاربأجرى الحوار ـ علي بن صالح السليمي وسعيد بن علي الغافري:حظيت المنظومة القضائية في السلطنة ومنذ بداية عصر النهضة المباركة في عام 1970م والتي قاد مسيرتها المغفور له باذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ برعاية واهتمام بليغ من لدن جلالته ـ رحمه الله ـ إذ عني به وعمل على تطويره واستقلاليته.وقد تشرف القضاء بان تولى جلالته ـ طيب الله ثراه ـ رئاسة مجلس القضاء الاعلى والذي حدده النظام الاساسي للدولة في عام 1996م باستقلالية القضاء بأن تتولى المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها في اصدار احكامها وفق القانون تلاها اصدار القوانين والتشريعات التي تعني باستكمال المنظومة القضائية والتي عملت على تنظيم العمل القضائي وفق اسس ومراحل تكفل ضمان الحقوق للمتقاضين والمتعاملين معه.وللحديث عن مراحل شمولية تطوير السلك القضائي الذي واكب مسيرة التطور في البلاد .. التقت (الوطن) مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالله الهاشمي قاضي المحكمة العليا، ورئيس الادارة العامة للتفتيش القضائي بمجلس الشؤون الادارية للقضاء الذي قال: إن العدل كما يعرفه الجميع هو الركيزة الأساسية للتعايش بين أفراد المجتمع، وهو الغاية التي تنشدها البشرية على مر العصور، به تطمئن النفوس، وتُحفظ الحقوق، وتُصان الأعراض، وفي ظله يستتب الأمن، وينمو الاقتصاد، وتزدهر الأوطان، حيث كان القضاء ولا يزال أمراً مقدساً بين الشعوب والمجتمعات، وفي كلّ النُظم والتشريعات.موضحاً أن القضاء في عُمان يُعتبر امتداداً لما كان عليه القضاء في صدر الدولة الاسلامية، كما أنه أهمّ مقومات الدولة، وأحد أركانها التي تقوم عليها، ومع إشراقة فجر النهضة المباركة عام 1970م حظيَ النّظام القضائي باهتمام خاص من لدن جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ــ رحمه الله ـ على نحو يعكس طبيعة المجتمع وخصوصيته.وقال فضيلته: لقد أدرك ـ طيب الله ثراه ـ بفكره الثاقب وبصيرته النيّرة أنّ العدل أهمّ مقومات الدولة وأحد أركانها وأنه لا حياة للشعوب بغير العدل، ولذا جاء إنشاء (وزارة للعدل) ضمن أوّل تشكيل وزاري عام 1970م فسعت منذ إنشائها إلى بسط العدل بين المتقاضين عن طريق المحاكم الشرعية التي تنظر القضايا المعروضة عليها وتفصل فيها وفق مقتضى الشرع الشريف، وهو ما أكده جلالته ــ رحمه الله ـ في خطابه السامي عام 1975م بقوله:(إننا نحرص كلّ الحرص على إقامة العدالة الاجتماعية وفق تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وشريعتنا السمحاء، ولذا فقد نظمّت وزارة العدل دوائرها في ضبط وتسجيل الصكوك والدعاوى والأحكام، كما أن محكمة الاستئناف تنعقد بين وقت وآخر في الولايات المختلفة إذا استدعى الأمر، لفصل الأحكام في الأماكن التي يوجد فيها الخلاف، ولأنّ السلطة التشريعيّة ـ القضائيّة ـ قد فُصلت عن السلطة التنفيذيّة، فقد أصبح من مسؤولية وزارة العدل إنشاء محاكم وبيوت للقضاة في الولايات).وأضاف فضيلته قائلاً: وتنفيذاً لهذا التوجيه السامي أُنشئِت المحاكم الشرعية في مختلف ولايات السلطنة لتقوم بدورها في النظر والفصل في الدعاوى الشرعية والمدنية إضافة إلى قيامها بأعمال التركات وكتابة الصكوك الشرعية، وكانت وزارة الداخلية تتولّى ـ عن طريق الولاة ـ تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم الشرعية، وإيماناً من جلالته ـ رحمه الله ـ بأهمية الحفاظ على الإرث العُماني الخالد، وإحياء لتقاليد وأعراف الآباء والأجداد، وجّه بتخصيص يوم في الشهر لنظر الدعاوى في القلعة أو الحصن (البرزة)، حيث يجتمع الوالي والقاضي في إحدى غرف الحصن يستقبلون الخصوم وغيرهم وهناك يتمّ نظر الدعاوى والفصل فيها وتنفيذ الأحكام الصادر بشأنها، وبجانب المحاكم الشرعية ـ صاحبة الولاية العامّة في النظام القضائي آنذاك ـ أُنشئِت المحاكم الجزائية في كل من:(مسقط وصحار ونزوى وصور وصلالة) لتقوم بدور فعّال في استتاب الأمن والاستقرار، كما أُنشئِت المحكمة التجارية التي تعني بالمنازعات التجارية ، إضافة إلى بعض اللجان الإدارية ذات الصبغة القضائية كاللجنة المحلية لشؤون الأراضي.مؤكداً فضيلته: إنه نظراً للتطور الذي شهدته السلطنة في كافة المجالات كان لا بُدّ أن يواكبه تطور في النظام القضائي ولذا كان صدور النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني (101 /96) وتخصيص (الباب السادس منه للقضاء) إيذاناً بتطوير النظام القضائي على أسس حديثة ومرئيات تواكب التطور الذي تشهده السلطنة في مختلف المجلات، وتأكيداً على استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فقد نصت المادة (60) من النظام الأساسي للدولة على أنه:(السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفق القانون)، كما نصت المادة (61) من ذات النظام على أنه:(لا سلطان على القضاة في قضائهم لغير القانون وهم غير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون، ولا يجوز لأيّ جهة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة، ويُعتبر مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون)، فيما نصت المادة (62) من النظام ذاته على أنّه (يرتب القانون المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويبين وظائفها واختصاصاتها ..).وأشار فضيلته قائلاً: وإيماناً من جلالته ــ رحمه الله ــ بأهمية تطوير النظام القضائي على أسس حديثه ومرئيات جديدة أكد في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني السابع والعشرين في 18 / 11 / 1997م، على أنه:(لقد نص النظام الأساسي للدولة على أنّ سيادة القانون أساس الحكم في الدولة)، كما صدر مرسوم سلطاني بإنشاء المجلس الأعلى للقضاء برئاسة جلالة السلطان، ويختص برسم السياسة العامة للقضاء وبكفالة استقلاله ومتابعة تطوّره، وأيضاً صدر المرسوم السلطاني رقم:(91 /1999م) القاضي بإنشاء محكمة القضاء الاداري كهيئة قضائية مستقلة ، تُعنى بالفصل في الخصومات الادارية، لتكون أحد صروح العدالة في السلطنة، وصدر المرسوم السلطاني رقم:(92 /1999م) بإنشاء الادعاء العام كهيئة مستقلة، يختص بتحريك ورفع الدعوى العمومية باسم المجتمع ومباشرتها أمام المحكمة المختصة، والإشراف على الضبط القضائي والسير على حسن تطبيق القوانين، وتنفيذ الأحكام الجزائية، منوهاً إنّ صدور هذه القوانين المنظمة للعمل القضائي بالسلطنة أمر يتطلبه الواقع لتحقيق تنمية شاملة في كل المجالات، مشيراً الى أنه في عام 2001م توّحد القضاء العادي ــ بعد أن كان موزعاً على عدة جهات كالمحاكم الشرعية التي كانت تعنى بالقضاء الشرعي والمدني والمحاكم الجزائية والمحكمة التجارية ــ تحت مظلة واحدة (محاكم القضاء العادي)، وتأتي على رأس قمة الهرم القضائي (المحكمة العليا) التي تنظر في الطعون المرفوعة إليها على الأحكام الصادرة من (محاكم الإستئناف) وتفصل فيها من الناحية القانونية، ثمّ محاكم الإستئناف، حيث أوجد القانون محاكم للإستئناف في كل من (مسقط والسيب وصحار والرستاق ونزوى وإبراء وصور والمضيبي والبريمي وعبري وصلالة والدقم ومسندم)، ثم تأتي المحاكم الإبتدائية التي تتوزع على مختلف ولايات السلطنة حيث يوجد حالياً خمس وأربعون محكمة ابتدائية.وحول استكمال مرحلة المنظومة القضائية بالسلطنة يقول فضيلة الشيخ رئيس الادارة العامة للتفتيش القضائي: صدرت القوانين المنظمة للعمل القضائي الإجرائية منها والموضوعيّة، حيث كان جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ يؤكد في خطابه السامي بمناسبة انعقاد مجلس عُمان لعام 2011م اهتمامه بالقضاء ودعمه له بقوله:(فدعمنا للقضاء واستقلاليته واجب التزمنا به، واحترام قراراته بلا محاباة أمر مفروغ منه، فالكل سواسية أمام القانون)، وتأكيداً لهذا النطق السامي صدر المرسوم السلطاني رقم:(10/ 2012) الخاص بتنظيم إدارة القضاء والذي يُعتبر حدثاً تاريخياً في النظام القضائي، حيث أصبحت السلطة القضائية مستقلّة استقلالاً تاماً عن السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، فكانت السلطنة من أوائل الدول العربية التي يوجد بها قضاء مستقل، لتتبوأ السلطنة المكانة المرموقة بين الدول كما أراد لها جلالته ـ رحمه الله.وقد أشار فضيلته الى الاهتمام السامي من قبل جلالة السلطان قابوس ـ طيّب الله ثراه ـ للنظام القضائي مكّن السلطنة من الحصول على مراكز متقدمة على الصعيد الدولي، حيث حصلت السلطنة على المرتبة الأولى في تقرير البنك الدولي حول مؤشرات الحكم الجيد (1996 / 2004م)، إلى جانب حصولها على المرتبة الثانية على المستوى العربي في مؤشر سيادة القانون بعنوان:(قضايا نظام الإدارة العامة) وفقاً لتقرير البنك الدولي، كما حصلت السلطنة على المرتبة الأولى عربياً في مجال القضاء في التصنيف العالمي الذي أجراه معهد (فريزر) الكندي بالتعاون مع مؤسسة البحوث الدولية محققاً نسبة 7, 8 درجة من عشر درجات على مستوى العالم لتضعه هذه النتيجة بين أفضل عشرين منظومة قضائية على مستوى العالم تتوافر فيها أقصى درجات النزاهة والشفافية والاستقلالية.مؤكداً فضيلته: بأن صدور لائحة التفتيش القضائي يُعتبر نقلة كبرى ولبنة إضافية للخطوات المبذولة من قبل مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ضمن رؤية شاملة من أجل تعزيز عمل التفتيش القضائي بالسلطنة بآليات تكفل المتابعة المستمرة والتشخيص المباشر والصحيح لسير العمل بالمحاكم، بما يحقق التطوير الشامل لعمل القضاء والارتقاء به إلى المستوى الذي يتطلع إليه المجلس من تيسير لإجراءات التقاضي وتسريعها وتطوير دورة العمل بالمحاكم ويُواكب التحولات النوعية التي تشهدها السلطة القضائية برؤية حكيمة وفكر ثاقب من لدن جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ــ وتأكيداً للاستقلال التام والصلاحيات الـمُوسعة للنظام القضائي في السلطنة، مشيرا إلى اللائحة الجديدة قد راعت الاستفادة من أحدث التجارب وأنجحها في أنظمة التفتيش القضائي بالدول التي سبقت في هذا المجال بما يساعد في تطور الأداء القضائي، إذ وضعت ضوابط وآليات دقيقة للتفتيش المستمر لسير العمل القضائي بالمحاكم وتقييم مستوى انتظامه، كما سعت مجال التفتيش ليشمل كل جوانب عمل أصحاب الفضيلة قضاة محاكم الإستئناف والمحاكم الإبتدائية وسائر الأعمال المساعدة في الأداء القضائي، وراعت فضلاً عن ذلك جعل دور التفيش القضائي وقائياً قبل أن يكون أداة لتعَقُّب الأخطاء بحيث يغدو التفتيش أداة فاعلة ترمي إلى الحيلولة دون وقوع أخطاء وذلك لما للوقاية من فضائل تسمو على العلاج، وسعياً من التفتيش القضائي للتواصل مع المتقاضين وتحقيق عدالة ناجزة قام التفتيش القضائي بفتح مكاتب بمجمعات المحاكم بمختلف المحافظات يُفرّغ لها مفتشون قضائيون ـ حسب الحاجة ـ يساعدهم موظفون مختصون لمباشرة مهام التفتيش الفني والتفتيش المستمر على أعمال المحاكم، وتلقي الشكاوى واستيفاء كل ما يرتبط بها، بما يساعد على تطوير أداء التفتيش القضائي وعلى تقريبه من المحاكم والمتقاضين، وفي إطار توحيد العمل بين المحاكم بما يؤدي إلى تيسير التقاضي وانعكاسه إيجاباً على تطوير الأداء قام التفتيش القضائي بإصدار دليل استرشادي لإجراءات التنفيذ الجبري تضمّن أهم الإشكالات القانونية التي عُرضت على المحاكم حول إجراءات التنفيذ وقدّم الحلول القانونية بشأنها من واقع المستقر عليه في العمل القضائي والشروحات الفقهيّة.وقال: وفي مجال البنية الأساسية تم تهيئة كل السبل الكفيلة بالسمو والرقي بالصرح القضائي، إذ أخذ مجلس الشؤون الإدارية للقضاء على عاتقه تنفيذ التوجيهات السامية بتطوير النظام القضائي ووضعه موضع التنفيذ، حيث قام المجلس بإنشاء مجمعات للمحاكم في كل من عبري وإبراء وصلالة ومسقط وصحار والبريمي والرستاق ونزوى تضم هذه المجمعات محكمتي الاستئناف والابتدائية وقاعات للمحاكمة، كما تضم المجمعات مبنى للتنفيذ وآخر للتركات ومكتبة إضافة إلى مكاتب إدارية، كما تم إنشاء مبنى المحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء بإشراف مباشر من لدن جلالته ـ رحمه الله ـ روعي في تصميمهما الماضي التليد والحاضر المشرق، حيث يقفان جنباً إلى جنب يقابلهما جامع السلطان قابوس الأكبر بمناراته الخمسالتي تطاول عنان السماء في منظر بديع يجمع بين صرح العدالة والصرح الديني والثقافي، كما بذل مجلس الشؤون الإدارية للقضاء مساعي حثيثة للاستفادة مما تتيحه التقنية الحديثة من خدمات من شأنها تسريع وتنظيم وتيرة العمل القضائي بما يحقق العدالة الناجزة، وذلك من خلال ربط المحاكم بشبكة الكترونية متكاملة.وقال فضيلته: يأتي المبنى الشامخ للمعهد العالي للقضاء بمدينة العلم والتاريخ (نزوى) الذي أُنشئ بموجب المرسوم السلطاني رقم:(35/ 2010م) ليضيف لبنة أخرى لتطوير النظام القضائي وليكون منارة علم واشعاع وصرحاً رافداً للعدالة يتولى إعداد القضاة وأعضاء الإدعاء العام ومعاونيهم وغيرهم من رجال القانون تأهيلاً وتدريباً لتزويد المنتسب إلى المعهد بحصيلة علمية واسعة تعينه على تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه لبسط العدالة وحماية أعراض أفراد المجتمع ودمائهم وحفظ حقوقهم.وفي إطار تنظيم ذلك صدر قانون التوفيق والمصالحة بموجب المرسوم السلطاني رقم:(98/ 2005م)، وتكمن أهمية الصلح في أنه يضع حداً للخصومة ويقطع المنازعة بين الخصوم، ويحافظ على العلاقات الاجتماعية.واختتم فضيلة الشيخ رئيس الادارة العامة للتفتيش القضائي حديثه قائلاً: وبعد حياة حافلة بالعطاء والإنجاز، عامرة بالبناء والتشييد، موسومة بالتفاني والإخلاص، محفوفة بالرقي والازدهار، مكللة بالتوفيق والنجاح، رحل ابن عُمان البار، وقائدها الملهم، وباني نهضتها الحديثة، بعد أن ترك إرثاً خالداً، وقضاء قوياً متيناً، سيكتبه التأريخ بحروف من ذهب، وسيبقى في ذاكرة الأجيال الحاضرة والقادمة، وسيستمر العطاء المتدفق، ويتواصل البناء، وتتوالى الإنجازات ـ بإذن الله ـ في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـــ حفظه الله ورعاه ـ ليتبوأ النظام القضائي مكانته المرموقة ومنزلته الرفيعة.