[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/03/rajb.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د. رجب بن علي العويسي[/author]


يشكل الفكر السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ في عمقه واتساعه وتجدده وإنتاجيته وإيجابيته ووضوحه وشموخه وسموقه ومنهجيته ورصانته وموضوعيته واعتداله وتسامحه وتوازنه وقوته وعالميته ونهضته، مدرسة حضارية ومنصة فكرية تنويرية في بناء الدولة وصناعة الإنسان، لما يحمله الفكر السامي من مساحات واسعة من التعددية التي تتناغم مع الظروف، وتكتسب قيمتها من الثبات والمصداقية والوضوح، وقابليتها للتطور والتجدد في كل زمان ومكان، فهو في ظل ما اتسم به من المرونة والواقعية والضبطية والانتقاء والاختيار، ونظرته التي تتسم بالشمولية والاتساع وتحليقه في الأفق البشري وملامسته لأرض الواقع، وتناغمه مع معطيات السلوك الإنساني وبناء الدولة المعاصرة، والتعايش الفكري والاتساع النهضوي العميق الذي ارتبط بكل مراحل التاريخ الإنساني فكان مددا استطاع خلاله الفكر السامي لجلالته الدخول في أعماق الأنفس والخوض في غمار المنافسة ليتربع على عرش القيادة والسمو والرفعة، فكرا حكيما ومنهجا سليما، وهو في عمقه واتساعه لم يكن مقتصرا على عمان وحدها، بل وسع العالم أجمع، لما حمله من مبادئ راقية وأسس رصينة ومنهجية عمل دقيقة، فكرٌ يتسم بالتجدد والاستدامة والتنوع والأصالة والمعاصرة، اعتمد على مدخلات عدة وأُطر متعددة، استهدفت تعميق منحى التوازن والتعايش والتسامح المعرفي واحترام الآخر وترسيخ ثقافة الوعي لضمان تحقيق غايات التنمية وأولوياتها، وهو ما اكتسب سمة الإمتاع والتشويق بما حمه في محتواه من مساحات التجديد والتطور والإلهام والبحث، ولما اختزنه من قوة فكرية مؤثرة واحتواء للكثير من المسارات والطموحات التي يعيشها الإنسان العماني، تجربة عملية رسمت حياة السلطان قابوس في قيادة الدولة العمانية وما حمله من رسالة الأمة العمانية والعالم أجمع، أصلت أنموذج الشخصية القيادية الناجحة بكل ما تحويه من معنى، تلك الشخصية البسيطة المتواضعة المحبوبة المتفاعلة القيادية، الموسومة بالحكمة ورصانة الفكر وسمو الإرادة وحب التطوير والحماس المتقد والثبات على المبدأ، إذ هي عوامل توفرت للسلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ عززت من قدرة جلالته في صناعة الإلهام في عالم يموج بالسقطات ويعيش الاختلالات الفكرية فأنتج الحلول للكثير من المشكلات والتحديات، وجمع الناس على كلمة سواء؛ لينقل القارئ والمتابع لخطب جلالته وكلماته السامية ولقاءاته وحواراته إلى آفاق رحبة، ويطوف به في فضاءات كونية واسعة، ويبحر به في عالم الواقع والتجربة والعمل، ونُهُج فكرية تستنهض دوافع الإنسان الطامح إلى المجد والمثابر لنهضة وطنه، يأخذ بالعلم الصحيح والقيم الرفيعة والعمل الريادي المبتكر، ويستفيد من أفضل التجارب الإنسانية الواقعية بما يتوافق مع هوية عمان ورؤية جلالة السلطان المعظم ـ طيب الله ثراه ـ بشأنها، ويؤسس بما يحمله من مرتكزات في الإنسان العماني منابع الفكر الرصين والثقافة الواعية والمنهجية السليمة في قراءة عالمه المختلف المتنوع، وهو بحر متناهٍ في عمقه واتساعه، درر من الكلم الطيب الممتزج بسمو القول ونبله، وصدق الفعل ودقته.
ويجد القارئ لكلمات جلالة السلطان وخطبه ولقاءاته وأحاديثه المباشرة مع المواطنين في جولاته السامية، شخصية السلطان المتفردة بما حملته من ميكانيزما القيادة ومفاهيم الإيجابية والتفاؤل والعزيمة والإرادة المفتونة بروح الإنسانية النابضة صدقا وعدلا، والمعبرة عن عظمة ما تحمله من فكر ومنهجية وأسلوب وذوق وخلق ورسالة، وعبر التفاعل مع من يتحدث معه أو يلقي الخطاب إليه ليصل إلى أعماق المشاعر، وتنجذب إليه الأسماع والأذهان، وتستنبط منه الأفكار لتصبح استراتيجيات عمل، ومسارات أداء ومساحات إبداعية تجوب فيها النفس ويتنفس القارئ والمستمع إليه خلالها الصعداء بوصوله إلى حلول مقنعة وأدوات تضع اليد على الجرح، لذلك كان الخطاب السامي لجلالته ـ طيب الله ثراه ـ متناغما في هيكلته ووحداته ومحتواه، وبنيته المعرفية ورصانته التعبيرية، وجدية ما يحمله من أمل، ويقدمه من حلول منصفة، أو يصفه من وقائع، ويستلهمه من أحداث، أو يفسره من معطيات ويقدمه من شواهد، ويستشرفه من حدس بالمستقبل، وكلماته بما تحمله من هواجس وطموحات وتساؤلات واستفسارات ومؤشرات وحقائق، فإنها تحمل في ذاتها العمق الفكري والتطبيق العملي والصدق في المحتوى، والدقة في الوصف والواقعية في الطرح، يتلمس نبض المواطن وشجونه، ويربط ذلك أيضا بأحداث العالم وما يحصل فيه من تناقضات وتباينات أو مؤثرات أو مصادر قوة وتجارب عملية ومبادرات مجيدة يمكن أن تؤطر بشكل يتناغم مع الواقع العماني، كما يضع الخطاب السامي المخاطبين أمام تجارب حية ووقائع حاصلة وأحداث متجددة ويجسد في شخصية المخاطب من فئات المجتمع المختلفة كالشباب والمرأة أو المسؤولين بالدولة وأعضاء مجلس عمان وغيرهم، قيمة إعادة إنتاج الفكر السليم وتوجيه بوصلة العمل لتصل إلى تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات، ومنحهم فرصة للتأمل والنظر والدراسة والتشخيص كمنهج عمل يسيرون عليه في شؤونهم العامة والخاصة من منطلق أن التريث والهدوء والتفكير يعطي نظرة إيجابية قائمة على الدراسة الواعية والفكر الصائب، فهو دعوة لعدم التسرع ومد خيوط الأمل لتحقيق أفضل القرارات، إذ بهذه النظرة الواقعية للأمور تتحول السلبيات إلى إيجابيات والثقافة المبتذلة إلى فكر إيجابي متنور متفتح يرقى بالفرد في آفاق السموات المفتوحة.
وتبقى خطابات جلالته في الأعياد والمناسبات الوطنية نحو الشباب أو لقاءاته بطلبة جامعة السلطان قابوس أو في جولاته السامية التي أصبحت برلمان عمان المفتوح، فيتحدث مع المواطنين عن العمل ودور المجتمع في شحذ همم الشباب نحو طرق باب العمل اليدوي والحرفي والمهني والانخراط في القطاع الخاص وعدم الترفع عن الأعمال الشريفة، وطرح قضايا الباحثين عن عمل ومخرجات التعليم وغيرها، بأسلوب أبوي رفيع وروح قيادية عالية الهمة سمحة نقيه تستوعب القلوب شدوها وتنصت الآذان لسماعها وتثلج الأرواح لروعة حديثها وصدق بوحها؛ نماذج حية للفكر الواعي القائم على مبدأ الإيجابية في النظر إلى متطلبات الحياة، والتفاؤل بفتح آفاق رحبة أمام الشباب والمجتمع في استلهام كل الفرص النوعية المتاحة له في مختلف المجالات مستثمرا ينابيع العلم والمعرفة وتوظيفها في رسم خريطة الحياة لتنعكس إيجابا على موقعه في المجتمع وحضوره في عالم سريع التغير، كلمات صدق نابعة من حس الضمير ورقي الشعور الإنساني، والثقة بالإرادة والعزيمة الموجهة لخير الإنسان وصلاحه، أنموذجا في الخطاب القيادي المؤثر المعبر عن أصالة الرسالة التي يحملها لأبناء وطنه ويرسم لهم منصات الفلاح ويفتح لهم مداخيل العطاء والنجاح ويثير فيهم من خلالها دافع الإنجاز بلا توقف والعمل بلا حدود محملين بالصبر والثقة بالنفس، فكانت كل كلمة قالها جلالته ـ طيب الله ثراه ـ كما تلاقي التصفيق والإعجاب؛ فإنها وجدت التطبيق وحسن الممارسة حتى أصبح المواطن العماني يرددها في ذاته كما يردد اسمه ويدرك قيمتها كما هي قيمة الحياة في خلده.
ولعل ما يؤكد هذه الروح الإيجابية والمساحة من الاتساع والعمق التي يمنحها الفكر السامي في خطبه وكلماته ولقاءاته وأحاديثه المباشرة مع المواطنين، هو أنه لا يُعرف في قاموسه مصطلحات الفشل والسلبية والتخلف واليأس، والمتأمل لحال عمان عند تولي جلالته ـ رحمه الله ـ مقاليد الحكم وعوامل التخلف التي كانت تعيشها عمان والتحول الذي عاشته عمان في مختلف المجالات في وقت لا يتجاوز العقد الأول من بداية النهضة؛ خير دليل لما يحمله جلالته من فكر النهضة والتجديد والتطوير المتوازن، بما عزز من هدف النهوض بالمجتمع، في ظل زيادة هرمون الإرادة الواعية والرؤية السديدة والفكر التنويري والسماحة العالية التي كان يؤسس بها بناء الدولة ويصنع خلالها منجزات النهضة واقعا ملموسا، وهو الوعد الذي أوفى به ـ رحمه الله ـ فانعكس على حياة الأمة العمانية عيشا كريما وأمنا وأمانا وسلاما واستقرارا وتقدما وازدهارا عاصر حاضر عمان الزاهر ومستقبلها المنير بإذن الله، فإن جلالته لم يأت حاملا معه الذهب والألماس أو أنفس الأشياء الملموسة ليصلح بها حال وطنه، أو يسدل بها الستار على شظف العيش والعوز والفقر، بل كان يحمل الأمل والإيجابية والإرادة والتفاؤل بالقادم الجديد الذي سيبنيه بعزم أبناء عمان وبناتها في صبرهم وتحملهم ووحدتهم وتعاونهم مع قيادتهم الحكيمة، فصنع من منابع العطاء التي فتحها على وطنه وأبناء شعبه الإلهام وحقق التميز، ولقي ربه وعمان في قوة وعزة وتقدم وازدهار. لقد كان كثيرا ما يوجه المواطنين إلى الجانب الإيجابي، ويمنحهم الأمل في الحياة وفي المستقبل وفي النصر وفي العمل، فلم يعرف في قاموسه الفكري ونظريته في التأثير والاحتواء وبناء الدولة وصناعة الإنسان، معنى الخمول والكسل والتواكل في العمل من أجل وطنه، كما لم يضع لهذه المفردات أي حضور في تعامله المباشر مع المواطنين أو خطاباته لأبناء وطنه، ومن بين ما يمكن الإشارة إلى بعضه أنه ـ رحمه الله ـ قام وأمر بتغيير أسماء بعض البلدان والمناطق بعمان إلى أسماء تحمل معاني الإيجابية والتفاؤل والإنتاج والخير والبركة، وغير بعض المصطلحات الشائعة والمتداولة بين الناس ليعطي المواطن أملا جميلا وأمنيات حالمة وفرصا مواتية بما يؤصل في المواطنين قيمة الوعي وإدراك ما تحمله هذه الأحداث من مسؤوليات وما تتطلبه من جهد أو تستدعيه من حذر ووقاية، وعلى سبيل المثال تغيير مصطلح الأعاصير إلى (الأنواء المناخية أو الحالات المدارية)، ومصطلح البطالة إلى (الباحثين عن عمل)، وتخيّر العديد من المصطلحات الإيجابية التي تعكس الأصالة والمعاصرة في أسماء بعض الهيئات والوزارات والمؤسسات الحكومية، وفي تسمية السيوح التي احتضنت المخيمات السلطانية في جولاته السامية بمختلف ولايات السلطنة مثل سيح الطيبات والمسرات والنماء وغيرها كثير مما لم يسع المقال لذكره.
وعليه فمن يقرأ في الفكر السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ طيب الله ثراه ـ يجد أنه فكر نابض بالحياة اتسم بالتجديد واستيعاب الأحداث وإدراك المعطيات، وفق قواعد عمل أرحب وأوسع وأشمل وأكثر معيارية وضبطا، فكر يؤكد قيمة العمل الجمعي والشراكة والروح العالية في الأداء، كما أنه يوفر في نصوصه مساحات واسعة من التفرد والمنافسة والخصوصية وإثارة الدافعية والشعور الذاتي بالمسؤولية في المخاطبين، يستنهض الهمم ويثري العزائم ويوقد الحماس ويصنع في الذات قوة التغيير وشغف الإنجاز والمخاطرة المحسوبة والمبادرة المتجددة، فيدعو للعمل والبحث والاستكشاف ونبذ التواكل، ويؤكد في الوقت نفسه على التريث وعدم الاندفاع والشطط والهدوء والانتظار المشغول بحسن التفكير وانتقاء أفضل البدائل والاستباقية في الرصد، وهو فكر يقوم على الأخوة والمحبة والصفاء والنقاء، والمساواة، والعدالة والحقوق والواجبات، والتسامح والتعايش الفكري والارتباط الروحي المتناغم مع المشتركات القيمية والمؤتلفات البشرية، كما أن توجيهات جلالته لأبناء شعبه الوفي، دروس عملية في العمل الجاد والروح الوثابة للعطاء، تؤسس في النفس قيم المواطنة وأخلاقيات المواطن، وتبني أعمدة نجاحها في قناعات المواطن وأفكاره، ومع أنه كان يتخير الإيجابية في خطابه وحديثه، إلا أن ذلك لم يمنعه ذلك من الحديث عن الواقع ووصف الحقيقة الماثلة للعيان، والتحديات والعقبات والصعوبات التي واجهتها التنمية، وأن التحديات العالمية كثيرة، وأن التنمية البشرية وبناء الأوطان عملية ليست سهلة، وإنما تحتاج لمزيد من التضحية والمسؤولية الشخصية والجماعية والوطنية، وأن الهروب من الواقع والبعد عن التحديات والخوف من المشكلات إنما هو خلق العاجز الضعيف، كما أن تحديات العولمة وتأثيراتها المتواصلة في جميع مناحي الحياة لا ينبغي أن ينظر إليها كمحبطات، بل كفرص يمكن الاستفادة منها وتوجيهها التوجيه الصحيح بما يخدم قضايا التطوير والتنمية المجتمعية، فلا التقوقع سمة محبوبة، ولا الانبهار بالحضارات الأخرى وتقليد كل ما تتبناه خلق مقبول، لذلك كان لعمان تجربتها الفريدة في كل شيء التي أعطت رسما آخر أكثر اتزانا وحكمة وإبهارا مما قدمه الآخرون، لقد ظهر ذلك جليا في السياسة العمانية والتي نأت عن الحروب وتجنيبها حالة التصعيد والتصادم والخلاف مع الأصدقاء والأشقاء، والتزم نهج الحيادية المتزنة التي راعت مشاعر الجميع فاحتوت كل المتناقضات التي عايشها العالم ليجتمع تحت ظلال السياسة العمانية الفرقاء على كلمة سواء.
لقد تعدى الفكر السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ الأفكار السطحية والكلمات البراقة، ليتجه إلى العمق ويرتبط بواقع المواطنين ومتطلباتهم في رؤية استشرفت المستقبل، وأماطت اللثام عن السر الذي حمله قابوس الخير في قيادة الدولة العمانية، حتى بكاه العالم أجمع بعد موته، وافتقدته الإنسانية بأسرها بعد رحيله، وأقامت دول العالم جلسة تأبينية في مقر الأمم المتحدة اعترافا بما قدمه للإنسانية جمعاء. لقد حمل الفكر السامي رسالة السلام والتنمية، رسالة الإنسانية في عمقها وشموخها، رسالة حلمت بعمان المستقبل كما يريد أن يراها قابوس الخير، لذلك جاء الفكر السامي متطورا مع طبيعة المرحلة، والخطاب السامي كان يمثل خطاب المرحلة، التي تستشرف المستقبل امتدادا لنهضة الحاضر ورصيد الماضي المضيء، فجاءت كلماته متوافقة مع متطلبات المرحلة وكل مراحل التطور التي عايشتها عمان على مدى خمسة عقود مضت، ومنسجمة مع شعور الإنسان العماني في بصيرة لامست الواقع وحققت الأحلام واستنهضت الهمم واستقرأت المستقبل، واستفادت من كل المؤشرات المحيطة سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودوليا، وطرحت في عمقها السر الذي رافق نهضة عمان وما احتواه الفكر السامي لجلالته ـ طيب الله ثراه ـ من رصيد حضاري نقل الإنسان العماني إلى مسارات الوعي والإدراك والثقافة والسمو والرفعة، واستطاع أن ينقل عمان إلى دولة عصرية يشار إليها بالبنان، تقوم بدورها الأخلاقي والإنساني على المستوى الدولي، وأصبح لها دور فاعل في السياسة الدولية وتعزيز قيم التفاهم والسلام الدوليين، مستخدما لغة العقل والحكمة والنظر لمستقبل عمان وراحة شعبها، على أنه الغاية الكبرى والهدف الأسمى والتضحية الأنقى، والتمس الفكر السامي في مبادئه سمه الهدوء الذكي والتشخيص الدقيق والرصد المستمر للطموحات الوطنية والأحداث المحيطة بعمان، فرسم خريطة الطريق، وصنع البدائل، وأنتج الحلول المعبرة عن هوية عمان للكثير من المشكلات والتحديات بأسلوب هادئ لا يقبل المغامرة المرتجلة، ورأي حصيف يتجاوز لغة الأنا وأسلوب الفوقية، وحكمة بالغة تقرأ هذه المعادلات لصالح عمان والإنسانية، في ظل ما توسمه الخطاب السامي من مصداقية وثبات ومبادئ وقيم وأخلاق، ما جعل منه فكرا تنويريا متجددا قابلا للتكيف مع الظروف والأحوال، كما امتلك الفكر السامي حدس التوقعات فهناك الكثير من القضايا التي تحدَث عن السلطان قابوس بن سعيد في سبعينيات القرن العشرين، سواء تلك التي حذّر منها كالإرهاب والتشدد الفكري والتطرف الديني وازدواجية المعايير حتى أصبحت اليوم حقيقة ماثلة تعاني منها الشعوب والمجتمعات وتعيش ويلاتها مجتمعات الأرض في الشرق والغرب، كما ورد الكثير من المفاهيم والمفردات والمصطلحات في قاموس الفكر السامي كالاستثمار في رأس المال البشري الاجتماعي، والعلاقة بين القيادة والشعب، والتنويع الاقتصادي والتاريخ والتراث والتعليم المنتج والحوار الحضاري بين الشعوب وتفاعل الثقافات والهوية الوطنية والمواطنة الإيجابية والأصالة والمعاصرة والتجديد في الفكر الديني وغيرها وشكلت تحولات رسمت للشعوب المتحضرة مفاتيح لبناء نهضة أوطانها وصناعة إنسانها.
ولقد كانت كل المؤشرات التي تظهر في خطابات جلالته تشير إلى منظومة واسعة من الأخلاق والمبادئ والقيم الحضارية العالمية التي بحاجة إلى أن تعيد الإنسانية قراءتها في واقع حياة الشعوب وتؤطرها في مختلف مجالات الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والسياسية الدولية على حد سواء، بالشكل الذي يضمن فاعليتها على الأرض وواقعيتها في الأداء التطبيقي لها، وبناء معايير الجودة والمسؤولية والكفاءة في أنظمة التعليم ومناهجه بما يضمن قدرته على إيصال غراس هذا الفكر وتأطيره في ثقافة الأجيال وسلوكهم وقدرتهم على التعاطي الواعي مع ممكنات الواقع والفرص، وتحديد بوصلة العمل وفهم أولوياته، واستثمار التسارع الفكري المرتبط بالتقنية والفضاءات الكونية المفتوحة ومنصات التواصل الاجتماعي في قراءة أعمق للفكر السامي للسلطان قابوس بن سعيد وتفسيره وتحليله ودراسته وتأصيله واستخلاص الحلول والبدائل للتحديات والمشكلات التي يواجهها العالم في قضايا التعليم وإنتاجيته وجودته ومنافسته، وفي مجالات الاقتصاد والاكتفاء الذاتي والتنويع الاقتصادي والاستثمار الفعال والتشريعات والتمكين الاقتصادي والعمل الحرفي وبناء المهارات وغيرها، أو كذلك في مجالات السياسة وما تتطلبه من حكمة وإدارة فاعلة للقضايا الإنسانية، والقانون الدولي والفكر السياسي لبناء الدولة والإنسان والعلاقات الدولية وثقافات الشعوب ودور المنظمات الدولية؛ ويبقى على مؤسسات التعليم وبرامجه وخططه وسياساته ومبادراته، بالإضافة إلى محاضن التربية ومنصات البحث العلمي والمؤسسات الدينية والرياضية والثقافية والإعلامية والاجتماعية؛ الرهان في تأصيل الفكر السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ بطريقة أكثر ابتكارية واستدامة في قيم الأجيال، وترقية تفكيرهم وبناء مدخلات القوة لديهم في فهم عالمهم الذاتي وواقعهم الاجتماعي وتواصلهم الحضاري مع ثقافات العالم وحضاراته، ونقل هاجس التفكير لديهم من الأنا والذاتية إلى الجمع والعالمية، بحيث يتجاوز الفكر السامي مجرد كلمات توضع في مقدمات الكتب الدراسية والمجلدات والمطبوعات المؤسسية والإعلامية إلى تدريس النهج السامي بما يتضمنه من خصوصية ومبادئ ومفردات ومفاهيم وقيم ومصطلحات وأفكار ومناهج عمل ورؤى ورسائل في الحياة وبناء الدولة وأنظمة الحكم وبناء المواطنة والولاء والانتماء بشكل أكثر عملية وانتقائية في تفسير الخطاب السامي وتحليله ودراسته واستكشاف القيم المضيئة والاستراتيجيات العملية في مجالات السياسة والقيادة والإدارة والاقتصاد والتنمية والتطوير والتجديد والتحديث والإصلاح وبناء الذات والدبلوماسية والبروتوكول والذوق والابتكار والريادة والاستراتيجيات وهندسة الذات والتأريخ والتراث والفن والهواية والمواهب وثقافة الشعوب والتنوع الثقافي والجغرافيا والعلاقات الدولية والقانون والشريعة وإدارة الأزمات والمواطنة وبناء الإنسان وغيرها كثير، بما يضعنا جميعا مؤسسات وأفراد وباحثين، أمام رؤية حقيقية للمراجعة ومنطلق رئيسي للتقييم، في قراءة دقيقة للتحولات التي يمر بها العالم والمنطلقات التي تعتمدها الدول في إدارة منظومتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، والتأكيد على أهمية إشاعته واستخلاص المبادئ والموجهات التي يحملها، للوقوف عنده وتلمس العبر منه، والاستفادة من المواقف التي تحتضنه، وشحذ الهمم وبناء القدرات التي تضعه في قالب التطبيق وأولويات العمل، لتستضيء به الأجيال في حياتها وتنهض به الشعوب لمستقبل أوطانها، ولتصنع منهم أبناء مخلصين لوطنهم، فاعلين في إدارة متطلباته، واعين بمسؤولياتهم، مدركين لحقيقة وجودهم، قادرين على التكيف مع كل المتغيرات والأزمات، مستفيدين من كل الفرص الحاصلة بطريقة تحفظ حقوقهم وترقي بواجباتهم؛ وليصل إلى الأجيال القادمة وهو في نظارته وقوته وثباته، ليبني عليه العمانيون مجدا تليدا، وأملا مديدا، وبناء جديدا، ويضيفون إلى بعض لبناته الذهبية لبنات أجمل مزدانة بروح العصر وعبير المستقبل، وممتزجة برياحين الماضي وعبق الحاضر، لتبحر به الأجيال في سفينة الحياة ومراسيها فتمخر عبابه وتستكشف أصدافه وتفتح جواهره لتصل إلى بر الأمان آمنة مطمئنة، سخاء رخاء، وترسم في شواطئ وطني الذهبية ملامح التجديد لمستقبل عمان القادم.