توقف الحديث بنا ـ أيها الإخوة الأعزاء ـ عند الحديث حول مثابرة النفس، وكبح جماحها، وإلزامها بأوامر الله وعدم تركها على هواها، حتى لا تنجرف خلف ملذات دنياها وشهواتها، فلابد للنفس أن تعلم أنها مخلوقة لهدف سام ونبيل، وأنها لم تخلق لتفعل ما تشاء، وإنما لابد من محاسبتها، وتقييد مطلقها، واختصار إطنابها، وتقصير طويلها، وإضعاف قوتها، وتضييق متسعها، وتحديد هدفها، ومعنى:(العبث اللهو، واللّعب والاشتغال بما يلهى عن الحقّ، والله لم يأمر العباد بذلك، ولم يدعهم إلى ذلك، ولم يندبهم إليه، والعابث في فعله من فعله على غير حدّ الاستقامة، ويكون هازلا مستجلبا بفعله أحكام اللهو إلى نفسه، متماديا في سهوه، مستلذّ التفرقة في قصده، وكلّ هذا من صفات ذوى البشرية) (انظر "لطائف الإشارات ـ تفسير القشيري 2/591"، وإذا كان هذا من صفات البشرية، فلا يقنط من قصرت نفسه في جنب الله، من مغفرته ورضوانه، من هنا كان لزاماً على الإنسان أن يحاسب نفسه، قبل أن يفوت الأوان، وأن يتدبر إشارات القرآن فإن بها المعين لأهل العيان، (فالقرآن ـ الكريم ـ مملوء من هذا الإشارات، ومنها: أحدها: أن الله سبحانه لا يخلق الباطل، قال تعالى:(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا) (ص ـ 27)، وقال تعالى حكاية عن المؤمنين:(ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً) (آل عمران ـ 191)، وثانيها: أنه لا يخلق اللعب، قال تعالى:(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق .. الآية) (الدخان 38 ـ 39)، وثالثها: لا سبحانه يخلق العبث، قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق .. الآية) (المؤمنون 115 ـ 116)، ورابعها: أنه لا يرضى بالكفر، قال تعالى:(ولا يرضى لعباده الكفر .. الآية) (الزمر ـ 7)، وخامسها: أنه لا يريد الظلم، قال تعالى:(وما الله يريد ظلما للعباد) (غافر ـ 31)، وسادسها: أنه لا يحب الفساد، قال تعالى:(والله لا يحب الفساد) (البقرة ـ 205)، وسابعها: أنه لا يعاقب من غير سابقة جرم، قال تعالى:(ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم .. الآية) (النساء ـ 147)، وثامنها: أنه لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين، قال تعالى:(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها .. الآية) (الإسراء ـ 7)، وتاسعها: أنه ليس لأحد عليه اعتراض في أفعاله وأحكامه، قال تعالى:(لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) (الأنبياء ـ 23)، وقال تعالى:(فعّال لما يريد) (البروج ـ 16)، وعاشرها: أنه لا يخلف وعده ووعيده، قال تعالى:(ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (ق ـ 29) (تفسير الرازي ـ مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 1/ 129)، يقول صاحب كتاب "قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، 1/ 152):(اعلم أن النقص أن يبدو من الغفلة، والغفلة تنشأ من آفات النفس، والنفس مجبولة على الحركة، وقد أمرت بالسكون، وهو ابتلاؤه التفتقر إلى مولاها، وتبرأ من حولها وقواها إلى حوله سبحانه وقوته، وتعمل بقوله تعالى:(وَلاتَمُوتُنَّ إلاَّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران ـ 102)، ولتفزعوا إليه فتقولوا:(ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفّنا مسلمين) (البقرة ـ 250)، ولننتبه إلى الإشارة في قوله تعالى:(خُلِقَ الإنْسَانُ عَجَلٍ) (الأنبياء ـ 37)، فقد وصفه بالعجلة ثم أمره بتركها للبلوى، فإن نزلت السكينة وهي مزيد الإيمان سكنت النفس عن الهوى بإذن منفسها جل جلاله ، وإن حُجب القلب بالغفلة ـ وهي علامة على الافتقار والتضرع ـ تحركت النفس بطبعها، فإن سكنت عن حركتها فبالمنّة والفضل، وإن تحركت بوصفها فبالابتلاء والعدل، فأوّل البلاء اختلافها، وأول اختلافها خلافها ومقدمته الهمة، وبابه السمع وهو طريق إلى الكلام والنظر، والقول طريق إلى الشهوة، والشهوة مفتاح الخطيئة، والخطيئة مقام من النار، حتى يزحزحه الجبار تعالىعنها بالتوبة في الدنيا والعفو في العقبى، وقد تكون المخالفة على المحب العارف أشد من النار، قال بعضهم: لأن أبتلي بدخول النار، أحبّ إلي من أن أبتلي بمعصية، قيل: ولم؟ قال: لأن في المعصية خلاف ربي تعالى وسخطه، وفي النار إظهار قدرته وانتقامه لنفسه، فسخطه أعز عليَّ وأعظم من تعذيب نفسي، وروي عن بعضهم أنه قال:(ركعتان تتقبل مني أحبّ إلي من دخول الجنة، قيل: وكيف؟ قال: لأن في الركعتين رضا ربي عزّ وجلّ ومحبته وفي الجنة رضاي وشهوتي فرضا ربي عز َّوجلّ أحبّ إليَّ من محبتي)، فجملة وصف النفس معنيان، الطيش والشره، فالطيش عن الجهل والشره عن الحرص، وهما فطرة النفس فمثلها في الطيش كمثل كرة أو جوزة في مكان أملس مصوّب سكونها بالمنّة فإن أشرت إليها أو حركتها أدنى حركة تحركت بوصفها وهو خفتها واستدارتها وصورتها في الشره المتولدة من الحرص، إنها على صورة الفراشة إنها تقع في النار جاهلة شرهة تطلب بجهلها الضوء وفيه هلاكها فإذا وصلت إلى شيء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها فتحرص على الغاية منه وتطلب عين الضوء وجملته وهونفس المصباح فتحرق، ولو قنعت بقليل الضوء عن بعد سلمت فكذلك النفس في طيشها الذي يتولد من العجلة وفي شرها الذي ينتج من الحرص والطمع،فلذلك قيل: حب الدنيا رأس كل خطيئة فصار الزهد أصل كل طاعة،فانظر إلى الجنة وأنت تريد أن تدخلها ولم تملك النظر إليها بذنوب كثيرة، فالجنة طيبة لا يسكنها إلا الطيب فمتى طابوا لها دخلوها، قال تعالى:(وَقَاَلَ لَهْمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُتمْ فَادْخُلُوهَ خَاِلدينَ) (الزمر ـ 73)، والذنوب خبائث كما قال:(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَاِئث) (الأعراف ـ 157)، وقد مثَّل بعضهم النفس في شرهها بمثل ذباب مرّ على رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية، فعلق بجناحه فقبله، وآخر مر به فدنا من بعضه فنال حاجته فرجع إلى ورائه سالماً، وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم مثل دود القز لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصيرالقز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس وربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحاً، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره لغيره أو نظره إلى ماله في ميزان غيره، ولو أدرك ذلك قبل ذلك ما كان قد فعل شئياً من ذلك، يقول الراغب الأصفهاني:(نفس الإنسان واقعة بين قوتين: قوة الشهوة وقوة العقل، فبقوة الشهوة يحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة، وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والأفعال الجميلة والأمور المحمودة العاقبة)، وإلى هاتين القوتين أشار الله تعالى بقوله:(إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا) (الإنسان ـ 3)، وبقوله:(وهديناه النَّجْدَين) (البلد ـ 10)، ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به العقل ويميل إلى ما يأمر به الهوى، حتى قيل:(العقل صديق مقطوع والهوى عدوّ متبوع)، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(حُفَّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) (رواه مسلم ج 4/2174 برقم: 2822)، وروي عند غيره، ولذلك يحتاج الإنسان أن يقاد في بدءِ أمره إلى مصالحه بضرب من القهر حتى قال (صلى الله عليه وسلم):(يا عجباً لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل)، (حديث صحيح. أخرجه البخاري (3010)، وأحمد (2/ 302)، وأبوداود (2677) .. وغيرهم). والحديث يعني: (الأسارى الذين يؤتى بهم في الأغلال إلى بلاد الإسلام بعد الحروب، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فكأنهم بهذه الصورة قد سيقوا إلى الجنة بالأغلال والقيود)، (التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون 1/ 638)، (فحقُّ الإنسان أن يجاهد هواه إلى أن يقتحم العقبة فيتخلص حينئذٍ من أذاه)، (تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، ص: 32).
نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجعلنا من الصابرين المجاهدين المجدين في طاعته وذكره.

محمود عدلي الشريف
[email protected]