ذكرنا في الحلقة السابقة بعض شروط الحضانة وسنكمل في هذه الحلقة الشروط الأخرى.الشرط الخامس: الإسلام لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المرتد لا حق له في حضانة المسلم، لأنّ النّبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قد أمر بقتل المرتد فقال:(من بدّل دينه فاقتلوه)، أمّا إذا كان الحاضن كافراً، اختلف الفقهاء في حضانته للمسلم على قولين، الأوّل: ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط الإسلام في الحاضن، فلا حضانة لكافر على مسلم، لأن ّ الله ــ جلّ وعلا ــ قطع الموالاة بين المسلمين والكفار.الثاني: بعض الفقهاء إلى عدم اشتراط إسلام الحاضنة، فيجوز عندهم حضانة الكافرة للمسلم، وحدّد بعضهم حضانة الأم الكافرة إلى بلوغ الصغير سن الاستغناء والفهم، وأن يعقل الأديان.والذي أخذ به قانون الأحوال الشخصيّة: أنّ المرأة إذا كانت على غير دين والد المحضون بأن كان الأب مسلماً والمرأة كافرة، فلها حق الحضانة حتى بلوغ المحضون سن السابعة، فإذا بلغ هذه السن سقطت حضانتها، إلاّ إذا رأت المحكمة أنّ مصلحة المحضون بقاؤه مع أمّه فتستمر حضانتها، فقد نصّت المادة(128) من قانون الأحوال الشخصيّة على أنه:(إذا كانت الحاضنة على غير دين أبي المحضون، سقطت حضانتها بإكمال المحضون السنة السابعة من عمره إلاّ إذا قدّر القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون).فقد أفاد هذا النّص: أنّ المرأة الحاضنة إذا كانت على غير دين والد المحضون يسقط حقها في الحضانة بإكمال المحضون السابعة من عمره، لأنّ في هذا السنّ يبدأ تكليف الطفل بالعبادات فيتعلم الصلاة وأمور دينه ولذلك فهو بحاجة إلى من يعلمه ويلّقنه تعاليم الإسلام ويربيه على الأخلاق والقيّم الإسلاميّة، وحيث أنّ المصلحة في الحضانة هي مصلحة المحضون فإنّ النّص أعطى المحكمة السلطة في تقدير المصلحة بمعنى لو رأت المحكمة أنّ من مصلحة المحضون بقاؤه مع أمّه لا تثريب عليها إن حكمت بذلك.وقد قضت محكمة النقض المصريّة:1 ــ (المقرر في الفقه الحنفي ــ وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض ــ أنّ أولى النّاس بحضانة الصغير أمّه بالإجماع ولو كانت غير مسلمة لأنها أشفق وأقدر على الحضانة، فكان دفع الصغير إليها أنظر له، والشفقة لا تختلف باختلاف الدِّين).2 ــ (المقرر ــ في الفقه الحنفي ــ أنــّه فيما يتعلّق بإسقاط الحق في الحضانة، فإنّ الحاضنة الكتابيّة تختص بأحد أوجه هذا الإسقاط وهو أن يعقل الولد الأديان، وذلك بأن يبلغ سبع سنين، أو يخشى عليه أن يألف غير دين الإسلام قبل هذا السن، ومفاد ذلك: أنّ الأخذ بهذا الوجه من إسقاط الحضانة عن الأم الكتابيّة يتطلب توفر أمرين هما، أن تكون لدى الولد المحضون القدرة على إعمال العقل في التمييز بين الأديان المختلفة ولو لم تكن له القدرة على اختيار أحدها، وقد يكون ذلك ببلوغ الصغير سن مُعيّنة كالسابعة أو قبلها أو بعدها، إذ المعوّل عليه في تحديد ذلك هو مدى إدراك الصغير لما يُعدّ إلفاً لغير دين الإسلام، وهو ما لا يكون في السابعة وحدها أن يصدر عن الحاضنة الكتابيّة أقوال أو أفعال مع الصغير ينجم عنه أنه يألف غير دين الإسلام، ويجب على المحكمة أن تستظهر هذين الأمرين قبل القضاء بإسقاط الحضانة عن الأم الكتابية، ولا سيما أنّ الشريعة الغراء لا تتعجل هذا الإسقاط، طالما وجدت إلى توقيه سبيلاً على نحو ما هو مقرر في فقه الشريعة من أنّه إذا خيف على المحضون من حاضنته الكتابيّة فساد كأن تغذيه بلحم الخنزير، أو تسقيه خمراً، ضُمّت إلى مسلمين ليكونوا رقباء عليها، ولا يُنزع منها)... وللحديث بقية.د/ محمد بن عبدالله الهاشميقاضي المحكمة العليا[email protected]