د. أحمد مصطفى أحمد:
ينتهي هذه الأيام عام 2019 ليبدأ العقد الثالث من الألفية الثالثة العام القادم 2020، وهذا حسما لأن نهاية العقد تكون بالعام الأخير منه. فالعام المنصرم هو نهاية العقد الثاني والعام القادم هو بداية العقد الجديد وليس عام 2021. ومع أن البعض ما زال لم يحسم هذا الجدل، إلا أن الأقرب للمنطق هو أن العقد يبدأ بأول عام فيه وليس بنهايته، وهكذا نكمل هذه الأيام عقدا من الألفية الجديدة ونبدأ عقدا جديدا. وفي عمر القرون، كما في عمر البشر، فإن العقد الثالث هو نهاية المراهقة وبداية التعقل والجدية. أضف إلى ذلك أن ثالثة الأشياء هي دوما مرحلة التأكيد، وكما يقول المثل الشعبي "التالتة تابتة" – أي أنه في الثالثة يثبت الأمر بلا جدال. وما كل تلك المقدمة إلا للدلالة على أن العقد الجديد الذي يبدأ بعد أيام هو عقد مفصلي في مسار البشرية في هذه الحقبة التي نعيشها، خصوصا وأننا في القرن الحادي والعشرين (وهو رقم في سن البشر يعني بلوغ المسؤولية القانونية والاستقلالية الفردية).
كفى تقديما إذًا، ولندخل في صلب أهمية نهاية هذا العام وبداية 2020 مقارنة بنهايات وبدايات أعوام كثيرة سبقت، وحظيت في مثل هذه الأيام من كل عام بالحديث عن تقييم العام المنصرم، واستكشاف آفاق العام القادم. لم يكن العام المنصرم ذا صبغة واحدة، فقد كان عام "مطبات" إذا استعرنا التعبير الإنجليزي أو مزيجا مما هو إيجابي وسلبي في كثير من مناحي حياة البشر. وقد انتهى العام بتأكيد (ثبات) عدة أمور ستكون أساسية في العام الجديد وربما العقد القادم كله. ربما كان أبرز تلك الأمور هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) وهو تطور لا يتعلق فقط ببريطانيا وبقية دول أوروبا وإنما يهم العالم كله. ليس فقط على صعيد التجارة والتعاملات الثنائية بين "بريطانيا غير أوروبية" ودول العالم، وإنما لهذا البريكست من تأثير على مستقبل الاتحاد الأوروبي، وربما حتى على مستقبل بريطانيا كمملكة متحدة.
كما ينتهي العام الذي تميز بحروب تجارية بين الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، وشركائها التجاريين خصوصا الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقد بدأت حدة تلك الحروب تخفت باتفاق بين واشنطن وبكين على مرحلة أولى من اتفاق تجاري واتفاقات تجارية أخرى بين أميركا وجاراتها في الشمال والجنوب. ومن شأن هدوء حروب التجارة وانتهائها باتفاقات أن يعيد بعض النشاط للاقتصاد العالمي لينمو خارجا من التباطؤ الذي كاد يقوده إلى ركود. مع ذلك يظل احتمال أن يشهد العام الجديد ركودا اقتصاديا عالميا أو حتى كسادا بنهايته نتيجة عوامل أخرى منها فقاعة الائتمان وأزمة الديون العام لدول العالم. لكن في النهاية سيكون العقد الثالث فعلا "التالتة تابتة": إما عقد انتعاش اقتصادي أو عقد كساد، ما يعني الخروج من حال التباطؤ هذه التي تشبه "اللانمو واللاركود".
لا يقتصر الأمر على الاقتصاد، فالعقد الثالث سيشهد أيضا امتداد حزام النار من الهلال الخصيب إلى شمال إفريقيا حتى جنوب الصحراء، ووقوده عناصر الإرهاب المنقولة من سوريا والعراق وتركيا والجماعات المحلية في بلدان تلك المنطقة. وهو أيضا عقد غليان مياه المتوسط بسبب احتياطيات النفط والغاز فيه، ليس فقط بين مصر وتركيا من ناحية، وبين تركيا واليونان وقبرص من ناحية أخرى، لكن هناك أيضا إسرائيل وترسيم الحدود البحرية بين فلسطين المحتلة ولبنان. وستكون التحولات الهشة في السودان والجزائر التي شهدها العام المنصرم تحت اختبارات قاسية في العام الجديد، وسيزيد من قسوة تلك الاختبارات فتيل الإرهاب الصاعد في المنطقة واحتمال تحول ليبيا إلى بؤرة إرهاب جديدة عالية الكثافة. هو إذًا عقد محوري لمستقبل المنطقة، فإما تستعيد الدول الأربع من العراق إلى الجزائر مرورا بسوريا ومصر بعض عافيتها أو تنهك في صراعات داخلية وإرهاب محلي وعبر الحدود القريبة.
هناك بؤرة اشتعال محتملة أخرى في أميركا اللاتينية وربما تظهر فورات هنا وهناك في آسيا، لكن كل ذلك يظل في نطاق الصراعات غير الكبيرة. وهو ما يمكن أن يجعل العالم يظل يدور في فلك "الميوعة" بانتظار أمر حاسم، ليس بالضرورة حربا كبرى، وإنما يمكن أن يكون تغييرا جذريا يأتي من حيث لا يحتسب كثيرون. وأقصد هنا "القارة العجوز" كما شبهها البعض بعد نهاية الحرب الباردة، أي أوروبا. وإلا سيكون العقد الثالث تكريسا لما نشهده منذ الثمانينيات من "تجريب وفشل" لأشكال من العلاقات الدولية لم تفرز نظاما عالميا جديدا بعد انهيار النظام ثنائي القطبية الذي ميز الحرب الباردة. لكن الأرجح أن تلك ستكون ذروة المنحنى، وستفقد الكثير من الأدوات التي شهدنا قمتها في السنوات الأخيرة دورها وأهميتها. على سبيل المثال، استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة صراع، حيث لم تكن نتائجها بالشكل الذي توقعه من اعتمدوها، ولم تؤدِّ في أغلب الأحيان إلى حسم أي مواجهة.
ربما يكون الأكثر تأثيرا فعلا هي حرب كبرى واسعة، وللأسف فمنطقتنا تقليديا هي مختبر صراعات العالم، لكنها قد تكون في غيرها ولو باحتمال ضئيل. إنما بالنظر للأوضاع التي نشهدها منذ عقد تقريبا، فلا مجال لذلك. ليس من قلة أدوات، فالصناعات العسكرية في نمو مطرد، والتكنولوجيا تضاعف من قدراتها التدميرية، والدول تتسلح بشكل معقول. إنما هي الإرادة السياسية التي يفتقر إليها العالم في ظل التحولات المزعزعة التي يشهدها. وليس لنا إلا أن ننتظر ونرى.