[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/adelsaad.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]عادل سعد[/author]من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تنجح أية تنمية متوازنة في أي بلد مهما كانت الإمكانات المتاحة لديه كبيرة، إذا لم تكن هناك إدارة ناجحة تتولى شؤون هذه التنمية تقوم على محركين، الأول يرتبط ارتباطا وثيقا بقراءة الحاجات الأساسية، والثاني المحرك الخاص بحساب رصيد الكلفة المطلوبة دون أن يؤدي ذلك إلى استنزاف الإمكانات المتوافرة وفائض القيمة، وبمعنى مضاف أن تحقق ناتجا تراكميا لهذا الاقتصاد على صعيد التنمية المستدامة مع معالجة كل النتائج المغايرة المحتملة، وأن تغطي هذه المهمة كل مفردات النمو؛ لأن الخلل في مفردة معينة لا بد أن يأكل من جرف المفردات الأخرى بما فيها الحالة الاقتصادية اليومية للشخص الواحد.نحن إذًا أمام متلازمة بنيوية ينبغي أن تلبي هذه المفردات، وهنا يتحقق النجاح، مع هامش لا يمكن الاستعاضة عنه يستمد حضوره من حقيقة أن (فن الإدارة الجيدة هو الاقتصاد بالوقت)، وإزاء ذلك أيضا لا يستقيم خط الشروع في التنمية إلا من خلال تحقيق شرط التنبؤ والتخطيط مع التبصر.التنبؤ هنا يعني التوقع انعكاسا للواقع الذي أصبح أحد المعارف العلمية الرائجة، ومن مستلزماته أن يقوم على قراءة للإمكانات المتاحة ومستلزمات تطورها، وفي الخطوة اللاحقة المكملة يأتي التخطيط في غطاء من التبصر، إنها في النتيجة الولادة الشرعية للمشاريع التنموية. ويستحق هنا طرح السؤال الآتي: أين نحن عربيا من هذا المنهج، بعيدا عن بكائيات الشكاوى وندب الحظ في عدم تبني سياسات تقوم عليه؟ لا بد من الإشارة إلى أن الدول العربية ليست في منأى عنه إلا بحجم ما تفرضه الإرادات السياسية، وهنا يكمن بعض مسببات المرض الاقتصادي العربي مؤلفا مفازات له تحت وطأة إرضاء الأنانيات في تبني إجراءات لا تأخذ بعين الاعتبار الحاجة الحقيقية للبلد.هل أدلكم على عينات من ذلك؟ ما عليكم إلا أن تتصفحوا مئات، بل آلاف مسودات مشاريع نحرت وتبعثرت آمالها على مذبح النكايات والتشفي السياسي والنزعة الثأرية، بدون أي وجه حق إلا لإشباع عروض الغرور ونقص الرصيد المعرفي والإصغاء إلى ما يريد الآخرون الذين فوضوا أنفسهم إدارة شؤوننا مع التفطن بين الحين والآخر للحاجات التنموية الأساسية، ولكن في اللحظة الحرجة عند مخافة الانفلات، حيث يعاد الانتباه إلى أي منعطف مؤلم من الخسائر الجسيمة.الواضح وبخلاف أية مكابرة، أن أغلب الدول العربية هي الآن في اللحظة الحرجة للحالة الاقتصادية العامة، وضمن هذه الأغلبيةهناك أغلبية من السياسات التنموية العلاجية فحسب، ولا أقول السياسات الترقيعية ولكنها لا تستطيع أن تعطي مردودا إيجابيا يمكن الاعتماد عليه، وإن نتجت عنها فوائد معينة فهي سرعان ما تتلاشى مع مرور الزمن، لذلك لا مناص من التنبؤ والتخطيط على أساس الحاجة الفعلية للتنمية المستدامة.في اليابان مثلا تشغل آليات التنبؤ بمقياس التحسب ذاكرة المسؤول الاقتصادي، وكذلك على صعيد الإدارات العامة، ليس فقط عند الإعداد للمشاريع، أي مشروع، وإنما خلال مواكبة العمل به، وإلى ما يمكن أن يطرأ على أولويات المواطنين اليابانيين اعتمادا على قياس توجهاتهم المعاشية من خلال استطلاعات دورية، ولذلك تتضاءل فرص الصدمات المفاجئة، لأن كل شيء هناك محسوب، ولهذا تجد رضا اليابانيين على أداء حكوماتهم واضحا، كذلك الحال في الدول الاسكندنافية وبآليات أكثر أهمية، في حين ترى العكس فرنسيا تبعا للاختلاف بين توجهات الاشتراكيين واليمين الوسط واليمين المحافظ، إذ لكل واحد من هذه الأطراف الفرنسية الثلاثة معالجاته الاقتصادية، والعينة الطازجة الآن، التظاهرات العارمة احتجاجا على النظام التقاعدي العام الذي يريد الرئيس ماكرون تمريره.إن التنبؤ بمقياس التحسب لا يعني الذهاب بعيدا في التكهنات والأماني، وإنما (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) كما يقول المتنبي، وبتوصيف واقعي وليس شعريا، (مد رجلك وفق قياس غطائك)؛ أي بحسن التدبير أحد المعارف المركزية لبنيوية التنمية المتوازنة.