[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/03/rajb.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د. رجب بن علي العويسي[/author]يشكل النطق السامي لجلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في افتتاح مجلس عمان في السابع والعشرين من ديسمبر لعام 1997، مدخلنا في قراءة هذا الموضوع والإجابة عن التساؤل المطروح بشأن موقع المواطن ومستوى حضوره في رسم معالم الاقتصاد الوطني، والآلية التي يفترض أن تؤسس لبناء وعي استراتيجي متكافئ لدى المواطن حول القضايا الاقتصادية في عالمه المتغير، حيث قال جلالته: "فالمواطنون من حقهم أن يعرفوا ما تبذله الحكومة من جهود في سبيل رفع مستوى المعيشة، وتطوير الاقتصاد، وتنمية الثروات الوطنية، ورعاية المجتمع، وضمان أمنه واستقراره، والمحافظة على قيمه وثرواته ومنجزاته، كما أن من حقهم أن يعرفوا أن الساحة الدولية تشهد كل يوم من التطورات والمتغيرات ما يوجب على الحكومة إعادة النظر في خططها، وأولوياتها، وبرامجها التنفيذية، وأساليبها المنهجية بما يمكنها من تفادي السلبيات التي تتمخض عنها بعض تلك التطورات والمستجدات، وبما يجعل من الضروري أن يتفهم المواطن ظروف كل مرحلة من المراحل، ويتقبل الواقع الذي تفرضه بروح إيجابية؛ لذلك فإن التوعية ضرورية للمجتمع بكل فئاته وشرائحه, وهي من لوازم العمل الوطني التي بدونها لا يتأتى للكثيرين تقدير مدى تأثير بعض الأحداث العالمية على المسار التنموي".على أن أحقية المواطن كما أرد جلالته ـ أعزه الله ـ في معرفة ما يدور في وطنه وعالمه؛ إنما هو نتاج لرؤية الشراكة الفاعلة والمشاركة الهادفة التي رسمها جلالته وأكدتها مسيرة العمل الوطني في العقود الخمسة من عمر النهضة المباركة، في سبيل ترسيخ وعي المواطنين بأهداف التنمية ومهامها وأولوياتها والجهود التي تبذل لتنفيذها، وتوفير مستويات أعمق من الترابط بين الحكومة والمواطنين، في تحقيق مصالح الوطن وحماية حقوق المواطنين والمحافظة على موارده ومقدراته، واستشعارا لأثر هذا التناغم والانسجام في توجيه بوصلة العمل الوطني وتحديد موقع المواطن فيه، ودوره ومسؤولياته في التعاطي مع هذه المستجدات والتوجهات الوطنية بروح ملؤها التفاؤل والإيجابية والنظرة المعمقة بعيدة المدى التي تتجاوز الأنانيات والسلبية والمصالح الشخصية، وعندها يكون المواطن عونا للحكومة داعما لها مدافعا عن لرؤية العمل وحاملا لرسالة الإنجاز، متقبلا لكل خطوات التنفيذ التي اشترك فيها وشارك في رسم ملامحها وبناء موجهاتها، وأدرك القيمة المضافة الناتجة عنها، في ظل استشعاره لمسؤولياته وإدراكه لموقعه الذي يشغله بالطريقة التي حددها القانون والأنظمة والإجراءات.هذا المدخل الذي أشرنا إليه يأتي في ظل المعطيات الوطنية الناتجة عن سياسة التخصيص التي اتجهت إليها السلطنة، والخبر الأول الذي تداولته صحف السلطنة بدون استثناء وتناوله مغردو التواصل الاجتماعي وتحت عنوان "تخصيص 49% من العمانية لنقل الكهرباء"، حيث وقعت مجموعة نماء الحكومية القابضة على اتفاقية تخصيص مع شركة (ستيت جريد كوربويشن الصينية) تستثمر بموجبها الشركة ما نسبته 49% من أسهم الشركة العمانية لنقل الكهرباء في صفقة بلغ حجمها 384.6 مليون ريال عماني أو ما قيمته مليار دولار أميركي، والتي يتوقع جاهزية إجراءات التخصيص فيها مع بداية 2020، وهو ما أثار الكثير من النقاشات وطرح العديد من التساؤلات وأوجد بعض التحفظات، والتفاؤل والإيجابية والمشاعر السلبية أحيانا حول بيع أصول الشركة والغايات الاستراتيجية المتحققة من هذا الشأن، وتأثيرات ذلك على مستقبل التنمية الاقتصادية واستدامتها للأجيال القادمة، حتى مع وجود بعض التطمينات الإيجابية المختصرة جدا من قبل ذوي الاختصاص بالحكومة في الأثر الإيجابي المتحقق للسلطنة جراء هذا الاتفاق على مسار الاستثمار الأجنبي والشراكة الاستراتيجية مع الصين، والإشارة إلى توجهات قادمة للتخصيص تطول قطاعات استراتيجية أخرى ومنها قطاع النفط، وما يثار من تكهنات ووجهات نظر أيضا حول النمو المتوقع في هذا القطاع في الفترة القادمة والذي يجعل من اختيار هذا التوقيت لإنهاء إجراءات الاتفاق في هذه الفترة والسلطنة على موعد مع الإعلان عن موازنة عام 2020، أمام وجهات نظر متباينة وتقييمات متفاوتة لتفصح جميعها عن أننا بحاجة اليوم إلى وجود إعلام اقتصادي شفاف قادر على رسم ملامح التحول وتعزيز حضوره في فقه المواطن، وتمكينه من امتلاك أدوات الحماية الاقتصادية وتوظيف الفرص التشريعية الأخيرة النافذة في هذا المجال.ومع أن حديثنا ليس في تفاصيل المشروع أو الاتفاقية أو تناول الدلالات والمؤشرات والمؤثرات المرتبطة بهذا الاتفاق ونتائجه على الاقتصاد الوطني والتوابع الأخرى المترتبة عليه وعلاقته أو انعكاساته على الحياة المعيشية للمواطن وتأثيره على مسار الدعم الحكومي للخدمات الأساسية، أو الضرر المتوقع أن يلحق بالمواطن في حالة تعثر عملية الاستثمار أو حصول ركود في إنتاج الطاقة الكهربائية، أو غيرها من التكهنات التي ما زالت تشكل هاجس المواطن نظرا لعدم وضوح المسار التثقيفي والتوعوي بشأنه، والأبعاد الاستراتيجية التي يمكن تحقيقها على المدى القريب والبعيد على حد سواء، والدعوة في الوقت نفسه إلى استخدام الطاقة المتجددة والبديلة في إنتاج الكهرباء في ظل ما تتمتع به السلطنة من فرص ومقومات إيجابية كبيرة في هذا الشأن، لذلك كانت الأفكار المتداولة حول هذا الاتفاق في أكثر الحالات عبارة عن ردود فعل وقتية ناتجة عن القصور في دور الإعلام المحلي الاقتصادي في التعريف بهذه المشروعات وتهيئة الرأي العام لها، إذ تبقى عملية الحصول على المعلومة من مصدرها معنيا بها إعلام المشروع ذاته وفاعلية دور مدير المشروع في تصحيح بعض الأفكار المتداولة والإجابة عن التساؤلات المطروحة من قبل المواطن العادي وذوي الاختصاص والإعلاميين والصحفيين ومغردي منصات التواصل الاجتماعي وغيرهم، والتي قد تختلف وجهات النظر فيها ومداخل معالجتها، بحسب الزاوية التي ينظر منها إلى الموضوع، فمع أن المسألة في تقديرنا الشخصي تحكمها الكثير من الأطر القانونية والضوابط والشروط والمعايير والاتفاقيات التي تنظم مثل هذه الاتفاقيات والشراكات الاقتصادية الاستراتيجية بحيث تتضح فيها الحقوق والواجبات والمسؤوليات وتتم عملية المرافعات في حالة الاخلال بشروطها إلى مؤسسات دولية ذات قوة ضبطية وقانونية وإلزامية نافذة تراعي تحقيق المصلحة العامة، وهو النهج الذي نعتقد بأن السلطنة اعتمدته في اتفاقيات أخرى سابقة أو استدركته في اتفاقيات قادمة، وشراكات استراتيجية لوضع حد لكل التوقعات السلبية أو الاختلالات الحاصلة ببنود الاتفاق، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن يكون المواطن بعيدا عن علم المواطن ومعرفته بما اتجهت إليه السلطنة والمبررات أو الغايات والفرص المتحققة من ذلك على المسار الوطني أو كذلك التأثيرات الأخرى المترتبة عليه والإجراءات الاستباقية أو الإثرائية والقرارات التي يمكن أن تقلل من تبعات ذلك وتأثيره السلبي على حياة المواطن وأمنه واستقراره.عليه فإن التأكيد على موقع المواطن في المنظومة الاقتصادية بات خيارا استراتيجيا لا يمكن التنازل عنه أو محاولة تهميشه أو وضعه في ذيل القائمة، وهو ما نبه إليه الخطاب السامي لجلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ في إشارة صريحة إلى ما تشهده الساحة الدولية من تطورات ومتغيرات تستدعي من الحكومة والقطاعات المعنية، تبني استراتيجيات واضحة وخطط استراتيجية عملية مستفيدة من كل الفرص المتاحة.وعليه، فإن التوجهات الاقتصادية للسلطنة في ظل الحزم التطويرية القادمة في تعزيز الشأن الاقتصادي، سواء عبر دور المناطق الاقتصادية الاستراتيجية، والشراكات الاقتصادية الدولية، والاتفاقيات مع دول الجوار، والاستثمارات الخارجية، والشركات الداخلية بين القطاعين الحكومي والخاص، وما أفصحت عنه توجهات العمل الاقتصادي الوطني من مشاريع مرتقبة، تسهم في تعزيز البنية الاقتصادية الوطنية وترقيتها وتطويرها وتحسين جودة الخدمة المقدمة والإجراءات المنظمة، وما أوجدته البنى المؤسسية الصادرة والقوانين والتشريعات الاقتصادية المتعلقة بالإفلاس والاستثمار والشراكة والضرائب والتخصيص وغيرها، يضعنا أمام الحاجة إلى قراءة استراتيجية شاملة لكل هذه المدركات، تضع المواطن أمام صورة العمل القادم والتوجه الذي ارتأت السلطنة تحقيقه في هذا القطاع، يشمل ذلك التوجهات نحو التخصيص أو بيع بعض الأصول الوطنية إلى شركات ومؤسسات دولية، أو الاتفاقيات الاقتصادية بين السلطنة ودول العالم، أو الاتفاقيات بتنفيذ مشروعات استثمارية واقتصادية داخل السلطنة مهن قبل شركات خارجية، أو مساهمة السلطنة في بعض الصناديق الاستثمارية الدولية، ومساحات الأمان القانونية التي تحفظ للسلطنة حقوقها، وصلاحياته في فسخ هذه العقود في حالة عدم تمثل الطرف الآخر الموقع لبنود الاتفاق، على أن تلتزم هذه العقود وضوح المدة الزمنية المحددة لها، وإجراءات التقاضي بشأنها، ومدى مناسبة القيمة المالية المحددة مع حالات التغيير في قوانين السوق أو الأسعار وغير ذلك، وتوقعات بنشاط اقتصادي قادم ونمو في الاستدامة المالية، بما يعني أهمية أن يمارس الإعلام الوطني دورا محوريا في قراءة الشأن الاقتصادي وإعادة ترتيب أجندته وبرامجه وخططه التسويقية والتعريفية ومدخلاته الوقائية والعلاجية في تعزيز درجة وعي المواطن بها، واستيعابه للغة الأرقام وفهمه للقيمة المضافة المتحققة منها على الصعيد الوطني والشخصي، والإجراءات والتشريعات التي أتاحتها الدولة في منع وقوع الضرر منها على حياة المواطن وأمنه واستقراره المعيشي، ويصبح على المؤسسات المالية والاقتصادية والإعلامية مسؤولية تبني استراتيجية عمل وطنية في تعزيز التوعية والتثقيف الاقتصادي ووضع المواطن أمام صورة مكبرة حول هذه التوجهات والقيمة الناتجة عنها، وتصحيح المفاهيم والأفكار والشائعات التي تتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي حول هذه الاتفاقيات والشراكات من خلال جملة الأدوات والاليات التعريفية والندوات التخصصية التي يشارك فيها المواطن وتخرج برؤى عملية واضحة وقرارات محددة واستطلاعات رأي جادة تقدم الصورة العامة والتفصيلية لهذه التوجهات بروح المسؤولية والشفافية والمصداقية بعيدا عن أي تجاوزات أو ضبابية في تقديم البعد الآخر السلبي المتعلق بهذه الاتفاقيات أو الشراكات، وتكثيف اللقاءات الإعلامية والتحليلية والرؤى الاقتصادية التي تستشرف هذه الجهود وتحدد بوصلة عملها وتستكشف ثغراتها أو مواطن القوة فيها، وتوجيه المواطن إلى الفرص المتحققة منها، ودور المواطن في المحافظة على مسار التوازن الاقتصادي لديه، هذا الأمر من شأنه توليد الأفكار وتوفير البدائل والحلول وإعادة إنتاج الواقع عبر رفده بالمزيد من وجهات النظر.من هنا نعتقد بأن الفترة القادمة وفي ظل الجهود الاقتصادية الوطنية التي أشرنا إلى بعضها؛ بحاجة إلى إعلام اقتصادي يتسم بالشفافية والموضوعية والقوة والاستمرارية وتعدد أدواته وسرعته وكفاءته في رصد الواقع واستطلاع رأي الشارع، يوازي هذه الجهود ويتناغم مع هذه المسارات، ويضمن أن التسارع الحاصل في إثبات حضور عماني في منظومة الاقتصاد العالمية ـ يصحبه إعلام اقتصادي عماني فاعل ـ قادر على تعزيز المفاهيم الاقتصادية وترقية الوعي الاقتصادي الوطني عبر تهيئة المواطن للتشريعات والقوانين الاقتصادية من جهة، في ظل حالة عدم الفهم والتذمر بين أوساط فئات المجتمع، وتعريفه بالتوجهات الاقتصادية الناتجة عن الاستثمار والشراكات والخصخصة وغيرها من جهة أخرى. فهل سنتعلم من طريقة تعاطي الإعلام مع اتفاقية بيع 49% من أصول الشركة العمانية لنقل الكهرباء للصين، دروسا قادمة في تأصيل مسار الاستباقية في تهيئة المواطن وتوعيته وتعريفه بحقوقه الوطنية الاقتصادية وواجباته، وتمكينه من التفاعل الواعي والمساهمة النشطة في رفد جهود التخصيص والاستثمار والشراكة والاتفاقيات وغيرها، مستحضرا ما حققته من نتائج إيجابية على معادلة الاستقرار الاقتصادي الشخصي والعائلي والوطني، ليكون سندا لهذه الجهود مشاركا بخبراته وتجاربه وأفكاره فيها، بدلا من أن يمارس ردة فعل سلبية يعيش خلالها دوامة قلق وحلقة مفرغة تبحث عن إجابة عن تساؤلاته أو نافذة أمل توجه قناعاته، وتبني ملامح مشرقة لمستقبله ومستقبل الأجيال الصاعدة غير ظاهرة لديه اليوم، وقد لا يدرك تأثيرها إلا بعد حين.