[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]القِدْر يحتاج إلى ثلاثة أَثافيِّ ليركب عليها بما احتوى فوق نار تُنضِج ما فيه.. ويبدو أن ثلاثة أَثافيَّ قوية قد تهيأت تحت قِدرٍ فيه دونالد ترامب يُسْلق سياسيا، وهي أَثافيُّ: "التطرف العنصري والحمق والكذب المستدام ـ الموقف اللاإنساني واللاقانوني من المهاجرين والملونين والمسلمين واتهامهم بتهم غير صحيحة وغير لائقة، ويمكن أن يختصر ذلك في موقفه مما سماه هو "الفِرْقَة"، وهنّ عضوات الكونجرس الأربع اللائي يناوئنه بشراسة ويحملن مشروعهن ضده بجدارة ـ والفضيحة الأوكرانية التي أحيت شكوك الديمقراطيين بتواطؤه ومسؤولين في حملته الانتخابية مع مسؤولين روس، ذلك التواطؤ الذي يشار إليه في التدخل الروسي الذي ساهم، حسب الديمقراطيين، بنجاح ترامب في انتخابات عام ٢٠١٦."وسوف أتوقف عند كل واحدة من هذه الأَثافيِّ مقاربا بعض تفاصيلها ومفاصلها.. لكن قبل ذلك أشير إلى أن أحداثا سياسية ومواقف كثيرة أظهرت أن ترامب من الحماقة والتعصب العنصري والتورُّم الشخصي "الأناني"، ومن الجشع للمال والرغبة في الابتزاز، والاستعداد للبلطجة والتجارة بكل شيء.. بحيث يمكن تقديمه أنموذجا أميركيا في مجالين على الأقل:آ- الصَّلَف والطيش السياسيان الأميركيان اللذان يزعزعان الأمن والسلم والاستقرار في العالم، والاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول، ويبذران المَصائب في أرض البشر بعدوانية براغماتية متجددة.ب - الولاء العنصري التعصبي الأعمى للصهيونية، والتبعية المُطلقة لها، والائتمار الغبي بأوامر مجرميها وإرهابييها ومدلِّسيها، وشَرْعَنة إجرامها وتوسّعها وعدوانيتها بافتراء وقح يسميه وأركان سياسته "الدفاع عن النفس"، والانحياز المُطلق لسياسات "إسرائيل" المُدمِّرة للقيم والأخلاق والقانون والعدل، وللسلم والأمن والاستقرار في منطقة من العالم هي أحوج ما تكون إلى ذلك، هي الوطن العربي.والنفوذ الصهيوني ـ اليهودي في الولايات المتحدة آمر حاكم.. وبهذا الصَّدَد نذكِّر بالصحفية العريقة هيلين توماس ـ توفيت قبل عامين تقريبا ـ التي عملت في البيت الأبيض مع عدد من الرُّؤساء، فقد قالت ذات يوم، بعد أن فاض بها الكيل: "اليهود يسيطرون على إعلامنا وصحافتنا ويسيطرون على البيت الأبيض"، فأقيلت واتهمت بمعاداة السامية، تلك التهمة الصهيونية التي تؤتي أكُلُها عند الغربيين؟! وقبلها بسنوات تكلم بول فندلي عن نفوذ الصهاينة واليهود ولخص المواقف في دولة العم سام بـ"مَن يجرؤ على الكلام"؟! ودفع الثمن.. وكثيرون هم مَن دفعوا ثمنا فادحا بسبب العنصريين الصهاينة والأميركيين، وأشباههم وأتباعهم.. لكن ما يجعل دونالد ترامب وعهده" أنموذجا" هو ولاؤه الهذياني.. فعنصريته الصهيونية فاقعة وهمجية وحمقاء وعدوانية، ومن أغبى ما برز من تأثيراتها ومواقفها إعلاناته اللاقانونية واللاأخلاقية بشأن: "القدس عاصمة لإسرائيل، الجولان العربي السوري جزء من إسرائيل، الانسحاب من الملف النووي الإيراني"؟! وهذا وسواه يقدمه في كثير من المواقف والحالات "دمية" مِن دُمى خيال الظل التي يحركها اللاعبون بخيطين من وراء الستار، ويطيب لهم أن يظهروا أحيانا ضاحكين ساخرين ليبينوا للمشاهدين شطارتهم.وبعد هذا آتي إلى مقاربة الأَثافيِّ الثلاث المتينة التي يستقر عليها القدر الذي يُسْلَق فيه ترامب سياسيا أذكر:الأثْفِيَة الأولى، "الفضيحة الأوكرانية": فقد كشفت مكالمة ترامب مع فلودومير زيلينسكي، كما أُعلِن رسميا، عن أنه "استخدم منصبه لدعوة بلد أجنبي إلى التدخل في انتخابات 2020 في الولايات المتحدة". وقد جاء في المُكالمة التي نشرها الكونجرس واعتبرها وثيقة اتهام، أن ترامب قال لزيلينسكي: "ثمة حديث كثير عن نجل بايدن وعن أن بايدن أوقف التحقيق، ويريد أناس كثيرون أن يعرفوا المَزيد عن هذا الموضوع، لذلك فإن أي شيء ممكن أن تفعلوه بالتعاون مع محاميِّ رودي جولياني والنائب العام الأميركي ويليام بار سيكون رائعا".. ففي ذلك حثَّ لفلودومير زيلينسكي على فتح تحقيق، في أنشطة هانتر بايدن الذي كان يتولى منصبا في مجلس إدارة شركة Burisma الأوكرانية العاملة في مجال الغاز، وهانتر هو ابن نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن الذي ينافس ترامب في انتخابات الرئاسة المُقبلة عام ٢٠٢٠.وقد أعلنت نانسي بيلوسي، رئيس مجلس النواب الأميركي، يوم الثلاثاء ٢٤/أيلول ٢٠١٩ عن قرار رسمي بفتح تحقيق لعزل الرئيس ترامب بسبب ما جاء في اتصاله مع الرئيس الأوكراني في ٢٥ تموز/يوليو ٢٠١٩ وبدأ الكونجرس إجراءات رسمية لمساءلته وقد تفضي إلى عزله من منصبه. وقد نشر الكونجرس نَصَّ المُكالمة مع زيلينسكي واتخذها وثيقة تتضمن الاتهام.. وكانت تلك فرصة للديمقراطيين للتوسُّع في حملتهم وشكوكهم بتدخل خارجي في انتخابات ٢٠١٦، فقد قال آدم شيف رئيس لجنة المُخابرات بمجلس النواب، يوم الأحد ٢٩ أيلول/ سبتمبر ٢٠١٩، حسب ما نشرته وكالة "ريا نوفوستي" الروسية، قال: "إن الديمقراطيين في الكونجرس الأميركي يعتزمون الكشف عن محادثات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين ومع محمد بن سلمان".. وهذا ما يرفضه البيت الأبيض بشدّة، لأن ترامب يحرص كل الحرص على تجنُّب ذلك بكل الوسائل.. وقد تحرك الجانب الرّوسي فجاء رده على احتمال أن تطلب واشنطن ذلك على لسان ديمتري بيسكوف في ٣٠/٩/٢٠١٩ الذي حيث قال: ".. بخصوص تسجيلات محتويات الاتصالات الهاتفية فإن نشرها أمر ممكن، إلى حد ما، لكن بتراضٍ بين الطرفين فقط.. إن المحادثات على مستوى رؤساء الدول تحمل طابع السرية.. ويأمل الكرملين بألا تصل الأمور في العلاقات بين موسكو وواشنطن إلى حد الكشف عن محتويات المكالمات بين بوتين وترامب".. وهذا بتقديري يتضمن اعتراضا دبلوماسيا على المطلوب.لقد هَزَّ هذا الحدث الذي سُمي "الفضيحة أو القضية الأوكرانية" الأوساط السياسية الأميركية، وحرّك الإعلام الذي يتتبع "مسلسل ترامب" منذ توليه الرئاسة، كما حرَّك عددا كبيرا من المسؤولين الأمنيين.. فقد جاء في رسالة مفتوحة قدمها للكونجرس، يوم الجمعة ٢٧ أيلول/سبتمبر ٢٠١٩، ثلاثمئة "٣٠٠" من مسؤولي الأمن القومي الأميركي السابقين: ".. يبدو أن الرئيس ترامب قد استغل السُّلطة ومواردَ أعلى منصب في البلاد للدعوة لتدخل أجنبي إضافي في عملياتنا الديمقراطية، مما يعني إساءته استخدام السُّلطة بشكل لا معقول.. كما أنه يمثل محاولة لإخضاع المَصالح الوطنية لأميركا وأقرب حلفائنا وشركائنا لمَصلحة الرئيس السياسية الشخصية.".. وعلى الرّغم من تكلُّف ترامب عدمَ الاهتمام، فإن تحذيره الذي نقلته فضائية الجزيرة بتاريخ ٣٠/٩/٢٠١٩ يلفت النظر إلى شدة الرَّجة الداخلية التي أصيب بها وإلى عمقها وسلبية نتائجها، فقد "حذَّر من حرب أهلية إذا تمكّن الديمقراطيون من تنحيته". وهذا تصرف لا يندرج في سلسلة حماقات ترامب فقط، بل ويصب في مجرى التحريض على أمر خطير، وينطوي على "كادَ المُريبُ أن يقول خذوني"، وهذه الحماقة من حماقات ترامب قد تكون مكلفة داخليا.الأُثْفِيَة الثانية، "التطرف العنصري والأكاذيب": لم يخف الرئيس ترامب عنصريته، وحين يحاول أن يموهها فهو يكشفها ويكشف نفسه أكثر.. فهو منذ حملته الانتخابية أشار إلى التمييز العنصري في قوله بتفوق العرق الأبيض، ولم يتوقف في أثناء رئاسته عم الممارسات والاتهامات العنصرية التي وجهها لأقليات ولشعوب وبلدان، وللإسلام والمسلمين خاصة بمحاولة إلصاق الإرهاب بالإسلام، وهي فرية صهيونية ـ عنصرية يتبناها بحماسة وحماقة.. ومن مظاهر عنصريته وقوفه بوجه المهاجرين ـ وهو أصلا مهاجر ذو أصول ألمانية ـ وحرمانه حتى لأطفال مهاجرين من أن يكونوا مع ذويهم وعزلهم في معسكرات..؟! وما فاض من عنصريته المقيتة من إساءات لدول وشعوب وأشخاص، كل هذا معروف ومسجل ومكشوف. وقد أشرت إلى عنصريته الصهيونية الفاقعة في فقرة سابقة، وستجيء إضافات وإضاءات على ذلك في مقاربتي للأُثْفية الثالثة. أمَّا عن سلسلة أكاذيبه فهي شبه يومية، وفق تعليقات وإشارات وكتابات كثيرة.. وهي ممتدة من إنكار علاقته الجنسية بالممثلة الإباحية ستورمي دانيالز التي دفع لها مبلغ ١٣٠ ألف دولار لتسكت عن علاقته معها عبر محاميه مايكل كوهين الذي واطأه ثم كَذَّبه وفضحه عندما اختلفا.. إلى ما فعلته وقالته محطة “ M.S.N.B.C ام اس إن بي سي” التي قطَعت بثا حيا لمؤتمره الصحفي يوم الأربعاء ٢٥ أيلول/سبتمر ٢٠١٩ واعتذرت "لأن الرئيس يكرر الأكاذيب"، وقالت المذيعة نيكول والاس: “نحن نكره فعل ذلك حقا، ولكن الرئيس لا يقول الحقيقة”.. فترامب لا يكف عن الكذب كما تقول وقائع وشخصيات سياسية أميركية عملت معه، ووسائل إعلام أميركية أيضا لم تتوقف عن الإشارة إلى ذلك.أَمَّا ثالثة الأثافيّ، فهي ما سَمَّاه هو "الفِرْقَة".. فقد كتب ترامب في نَعْبَة "تغريدة" من نعباتِه: "أعتقد أن النائبات الأربع ـ وهنَّ نائباته فعلا بالمعنى اللغوي الحقيقي والدِّلالي لكلمة نائبة "أي مصيبة" ـ قادرات على حب بلادنا"، في إشارة إلى أعضاء في الكونجرس من الديمقراطيين وهنَّ: الكسندريا اوكازيو كورتيز "عن نيويورك"، وإلهان عمر "عن مينوسوتا"، وأيانا بريسلي "عن ماساتشوسيتش"، ورشيدة طليب "عن ميتشجان"، وهن جميعا من الأقليات ومنهن مسلمتان إلهان ورشيدة. وقال ترامب من أمام البيت الأبيض في ١٩ تموز ٢٠١٩ "عليهن الاعتذار لأميركا (وإسرائيل) على الأمور الفظيعة (الكريهة) التي قلنها. إنهن يدمرن الحزب الديموقراطي، ولكنهن نساء ضعيفات ويفتقرن إلى الثقة بالنفس ولا يمكنهن أبدا تدمير أمتنا العظيمة".. وفي مدينة جرينفيل قال مثيرا لمؤيديه: "عليهن العودة إلى بلادهن الأم التي أتين منها.. لماذا لا يعدن ويصلِحن هذه الأماكن المنهارة تماما والمليئة بالجريمة..؟! دعوهن يغادرن.. دعوهن يغادرن".. فعلت صيحات أنصاره بما قال.. وأضاف "أنا متأكد من أن نانسي بيلوسي ستكون سعيدة للغاية لوضع ترتيبات السفر المَجانية بسرعة".. وسبق له أن وصف شعوبا منها إفريقية على الخصوص بأنها حُثالة؟!. وردّت مشيل أوباما على تلويحه بطرد عناصر "الفِرْقَة" بأدب، قالت:"إن هناك مكانا لنا جميعا".و"في خطوة نادرة وجه مجلس النواب الأميركي "توبيخا" لترامب على "تصريحاته العنصرية" ضد اللائي سماهنَّ "الفِرْقَة" فغدون معروفات بهذا الاسم. وقد نص القرار على إدانة تعليقات ترامب واعتبرها عنصرية و"شرّعت وزادت الخوف والكراهية تجاه الأميركيين الجدد والأشخاص المُلونين". واعتبرت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أن ترامب "يريد أن يجعل أميركا بيضاء مرة أخرى"، في إشارة للعنصرية والعزل العنصري واضطهاد الملونين الذي كان في الولايات الأميركية المتحدة، وقالت: "كلمات الرئيس وخطابه الملتهب الحافل بالكراهية يشكل خطرا حقيقيا."../ في يوم الثلاثاء ١٦ تموز ٢٠١٩/.ولكل من أعضاء الكونجرس الأربعة "الفِرْقَة" تاريخ ورأي وموقف وعزم وجرأة، وقد أعلنت كلٌّ منهنَّ موقفها بشجاعة وتضامنَّ وما زلن:* قالت عضو الكونجرس إلهان عمر إن هجوم ترامب عليهنّ "عنصري تجاه مشرِّعات مَلونات، وهو يمثل أجندة القوميين البيض"، وقالت إن في إسرائيل "نظام فصل عنصري"، فاتُّهمت باللاسامية، وانتقدت دور اللوبي الإسرائيلي في السياسة الأميركية ووصف ترامب بالفاشي: "لقد قلنا إن هذا الرئيس عنصري وندّدنا بتصريحاته العنصرية.. أعتقد أنه فاشي.. إننا نكافح من أجل حماية بلادنا من أسوأ الرؤساء وأكثرهم فسادًا ودون كفاءة، في من رأيناهم على الإطلاق". وتعرضت إلهان للتهديد بالقتل لأنها مسلمة، وهي من أصل صومالي.* * وكانت زميلتها الديمقراطية رشيدة طليب، الفلسطينية الأصل، قد دعت إلى بدء محاكمة برلمانية للرئيس ترامب بهدف عزله. وفي حينه "طالبت ببدء إجراءات لإقالة ترامب"، وقالت عند نجاحها عضوا "سنذهب إلى هناك وسنقيل ذلك اللعين".. وكانت سباقة في رؤيتها له ولما سيكون.*** وصرحت أيانا بريسلي، وهي من أصول إفريقية، بأن "تغريدات الرئيس تحضُّ على كراهية الأجانب، وأن ذلك لن يجعلها تصمت".**** وقالت ألكسندرا أوكاسيو كورتيس، أصولها من بورتريكو: "إن ترامب عنصري" وهي تؤيد عزله. وعبَّرت عن أسفها للطريقة التي يشعر بها ترامب تجاه الأشخاص الملونين والمهاجرين المتجنّسين في الولايات المتحدة، ودعت إلى تجاوز مفاهيم ترامب عن أميركا.. وشبَّهت مراكز تجميع المهاجرين في جنوب الولايات المتحدة بمعسكرات اعتقال. وقالت عن جريمة إسرائيل في غزة عام ٢٠١٨ "ليس هناك أي دولة أو كيان يُغفر له إطلاق النار الجماعي على محتجين".وهذا الرباعي يقلق ترامب بسبب نشاطه وتصميمه وشجاعته وعمله في أوساط الديمقراطيين في الكونجرس.ستكون هناك أيام صعبة أمام ترامب، وسيُسْلَق سياسيا لكن قد لا ينضج.. إن عزله يحتاج إلى موافقة ٧٥٪ من أعضاء مجلس الشيوخ ذي الأكثرية الجمهورية الذي يمرر قرار مجلس النواب ذي الأكثرية الديموقراطية. لكن ريش ترامب يبقى عُرْضَة للنَّتف، وسيؤثر ذلك على حظوظه في النجاح بانتخابات عام ٢٠٢٠.