محمود عدلي الشريف:وقد ذكر ابن إسحاق في سيرته قصة النطاق بعد خروج النبي وصاحبه بالغار لما جاءهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما، وفي (صحيح البخاري) أن القصة كانت في بيت الصديق قبل خروج النبي وصاحبه، وما (في الصحيح) هو الصحيح،(السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، 1/ 475): كنا ضيوفاً على ذات النطاقين السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ والتي أظهرت من البطولات مالم تأتي به أنثى قبلها ولا بعدها، فقد كانت تغدو وتروح على رسول الله وصاحبه وهما في الغار، مغامرة بطريقها تحمل روحها على كفها كل مرة، ولا يخفى ما كان عليه المشركون من إشعال لنار الغيظ ،وإحياءً لروح الثأر، وإعمالاً لقاعدة الإنتقام ،ولم تهتم ـ رضي الله تعالى عنها ـ بهذا كله بل وقدمت كل تضحية، واتخذت كل وسيلة، ففازت بكل فخر بلقب لم يقدم لغيرها ـ ذات النطاقين ـ أبعد هذا الشرف شرف. 3 ـ متابعة رسول الله وصاحبه بالطعام بشكل يومي : جاء في (إمتاع الأسماع 1/ 58): كانت أسماء ابنة أبي بكر ـ رضي اللَّه عنها ـ تحمل لهما الزاد إلى الغار، وانظرالاكتفاء بما تضمنه من (مغازي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والثلاثة الخلفاء 1/ 284).4 ـ المواجهة المباشرة مع صناديد الكفر: عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قلت: لا أدرى والله. فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاث ليال ما ندرى أين وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم .. كذا في (السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة 1/ 474). انظروا ـ إخواني الكرام ـ إلى هذه المواجهة الشجاعة، هذه البنت الصغيرة الحيية التي تربت في بيت أبي بكر الصديق على اللين والشفقة، وحسن المعاملة والمحبة، ثم تجد نفسها فجأة يطرق عليها الباب بشدة كادت أن تؤدي بالباب طريحاً على الأرض من شدة الطرق، ولم تجد بُداً من فتحه، ثم تتواجه مع من؟ أمع بنت صغيرة حنونة مثلها، أم مع امرأة عاقلة؟ قد تستطيع أن تتجاوب معها، أم مع من تتواجه؟ إنها مواجهة مع أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، يالله!! يالله!! انظروا ـ إخواني ـ كيف أحاط بها هذا الطوفان من الغلظة والغضب والقسوة والقوة والفحش في المعاملة، وكيف وجدت نفسها في دوامة جارفة من الجسام الضخمة والقلوب الفظة والوجوه العابسة، وهي التي اعتادت على الأدب والذوق ولين الجانب، ماذا تفعل؟ وكيف تتصرف؟ وهنا تظهر البطولة الخارقة، فوالله مثل هذه المواجهة لا يتحملها بعض الرجال بل الكثير منهم، ومع هذا تواجههم السيدة أسماء بل شجاعة وعزة وكرامة ،وإقدام وعدم تردد أو خوف، وتجيب عن أسئلتهم وجها لوجه، ورأساً برأس نداً بندٍ، دون دونية لنفس أو طأطأة لرأس، وهذا ما دفع الغيظ أن يأخذ بيد أبي جهل ـ لعنه الله ـ ليلطمها على خذها فيقطع القرط من أذنها ـ لطمه الله شر لطمة ـ والله إنها مواقف عظيمة من بنت عظيمة لأب عظيم.خامساً ـ عبد الله بن أبي بكر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْخُرُوجَ، أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثم عمدا إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ-جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ- فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يتسمَّع لَهُمَا مَا يَقُولُ الناسُ فِيهِمَا نهارَه، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ، (انظر سيرة ابن هشام، ت: طه عبد الرؤوف سعد 2/ 93)، فكان عبد اللَّه بن أبي بكر يتسمع لهما ما يقال عنهما بمكة ثم يأتيهما بذلك، (إمتاع الأسماع 1/ 58)، نعم كان يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاراً ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، فكان يفعل ذلك،وإذا غدا عبدالله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة، تبع عامرـ أي ابن فهيرة ـ أثره بالغنم حتى يعفى عليه، الاكتفاء بما تضمنه من (مغازي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والثلاثة الخلفاء (1/ 282).*[email protected]