يمتلئ الكوكب بالمُهمشين الذين يزدادون في العدد كلما تقدمت البشرية، وطغت الرأسمالية الحديثة على أسلوب حياة مختلف المجتمعات بحيث يزداد الغنى غناءً ويزداد الفقير فقرًا ما لم يتخذ خيارات أخرى تقوده لتغيير مساره، وتظل هذه الخيارات محدودة أمام هؤلاء المهمشين، خصوصًا الخيارات الجيدة التي تخدم المجتمع ولا تعتدي عليه أو تنتقص منه.وعالم المُهمشين عالم مليء بالقصص والحكايات؛ منها المسلي ومنها المحزن القاتم، وتظل تلك الحكايات طي النسيان ما لم يأتِ أحد ليفتش عنها ويعرضها للجماهير التي قد ترفعها للسماء بالإشادة بها أو تخسفها للأرض إذا لم تستطع الحكاية جذب الانتباه وإقناع الجماهير بصدقهم وعدالة موقفهم.المسلسل الإسباني (La Casa De Papel)، أو "بيت من ورق" الذي انتهت شبكة نتفليكس من عرض جزئه الثالث مؤخرًا قدم لنا عبر ثلاثة أجزاء حتى الآن قصة مجموعة من المهمشين يعتبرون أنفسهم الوريث الشرعي لروبن هود، ذاك اللص الذي سعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بطريقته الخاصة مدفوعًا لها أو مبتكرًا إياها وهي ببساطة إعادة توزيع الثروة من خلال سرقة الأغنياء وإعطاء الفقراء.فالمسلسل قدم لنا مجموعة لصوص يقتحمون دار سك العملة الملكية بإسبانيا ليطبعوا أموالهم الخاصة وهم أثناء ذلك لن يستولوا على أموال تخص أي شخص، بل سيعمدون إلى فضح حكومة بلادهم أمام الجماهير، وبعد أن تنجح العملية، ويهرب أفراد العصابة بالنقود، يتم إلقاء القبض على أحدهم بعدها بعامين ليأتي الجزء الثالث ويقومون فيه بسرقة جديدة ضخمة من أجل تحرير صديقهم.يقدم لنا مؤلف العمل السلطة بشكل سلبي تام، فأفرادها دميمو الهيئة ذوو ذكاء متواضع مقارنة بأعضاء العصابة ورأسهم المدبر البروفيسور، وهو الأمر الذي يجافي الحقيقة كثيرًا فليس كل سلطة هكذا، وليس كل لص ذكي ويسعى للخير مثلما يحاول صناع المسلسل تقديم ذلك.ويحاول المسلسل تقديم اللصوص أبطاله في صورة ثوار طيبين يسعون للخير والعدل فهم ليسوا مجرمين يستحقون العقاب بحسب التقديم لهم، بل هم أبطال ثوار يقومون بفعل مقاومة، والدليل أنهم لا يستولون على أموال أحد بعينه، إنما هم يسرقون الحكومة ولا يسفكون الدماء أبدًا مهما حدث، بل الأبعد من ذلك حينما يقرر زعيم العصابة الملقب بالبروفيسور أن أغنية "بيلا تشاو"، التي غناها الثوار الإيطاليون قديمًا في مواجهة الفاشية بمنزلة النشيد الرسمي له وللعصابة، وهي الأغنية التي علّمه إياها جده الذي انضم للثوار ضد النظام الفاشي في إيطاليا.ويستمر هذا البروفيسور في تقمص دور البطل الثائر حتى أنه حينما يمطر الجماهير بمبلغ 140 مليون يورو يرسل مع المبلغ رسالة كلها عبارات ثورية تقول "هذه الرسالة لكل من يرى في القناع رمزًا للمقاومة، نحن نحتاج إليكم. لقد شنّت الدولة علينا حربًا، حربًا قذرة، ولقد قررنا أن نواجههم. اعتقلت الشرطة واحدًا منا في بلد أجنبي بلا أي إجراءات قانونية في مكان مجهول، ويقومون على الأرجح بتعذيبه. نطالب بالإيقاف الفوري لهذا الاعتقال غير القانوني، لقد بدأت الدولة هذه الحرب ونحن لن نختبئ، سنقاومهم، ضربة أمام ضربة".هل هؤلاء أبطال؟ أم مجرمون؟ بالطبع سيتعاطف المشاهدون مع الشخصيات التي لها أبعاد إنسانية في القصة، فلكل مشارك قصة وتراجيديا دفعته للقبول بالتعاون مع زعيم العصابة، لكن ما زال السؤال قائمًا: هل هم أبطال يستحقون التكريم والاحتفاء؟ أم مجرمون مستحقون للعقاب؟ هم لا يسطون على الأفراد، لكنهم يأخذون أموال الحكومة، لكن أموال الحكومة تلك أليست هي أموال الشعب والجماهير، لكنهم في النهاية يوزعون هذه الأموال المسروقة على الجماهير؟ بالطبع هم مخالفون للقانون، لكن يظل الحكم عليهم أمرًا نسبيًّا طبقًا لرؤية كل مشاهد ومدى اقتناعه بما يقومون به.لقد صنع المسلسل من المهمشين أبطالًا، وجعل لهم قوة كبيرة يستطيعون بها مجابهة الأنظمة والحكومات إذا ما أحسنوا توظيف قدراتهم.إيهاب حمدي كاتب مصري [email protected]