لقد شاءت إرادة الله تعالى أن يتشرف هذا الكون بطلعة خير البرية وسيد البشرية المصطفى محمد (صلى الله عليه وسلم)، ذلكم النبي العظيم الذي جعله الله تعالى للأكوان أجمعين رحمة وهداية، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء ـ 107)، رحمته (صلى الله عليه وسلم) كله، في ولادته وفي مبعثه وفي دعوته وإتمام رسالته وفي هجرته، وهذه الأخيرة من الأحداث التي تمر بنا كل عام، تذكرنا بهجرته المباركة، التي سخر الله تعالى جميع أجناس الموجودات لإتمامها، ولنجاحها وحفاظاً على نبيه (صلى الله عليه وسلم) ورفقائه.نعم! لو تأملنا ـ قرائي الكرام ـ أحداث الهجرة النبوية المباركة، لوجدنا أن جميع أجناس الموجودات قد سخّرت وجنّدت لنجاح هذا الحدث العظيم، والذي نقل تاريخ البشرية من ظلام دامس إلى نور ساطع، لقد جنّد الله تعالى أنواع البشر (مؤمن وكافر) ومعظم الكائنات الحية وغير الحية، فمن الحية (الحيوانات ـ الحشرات ـ الزواحف ـ الطيورـ النباتات) حتى الجمادات أيضاً سخّرت ـ كما ستأتي الإشارة إليه ـ الكل مسخّر، الكل مجنّد (.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ..) (المدثر ـ 31)، منها ما هو مسخّر بإذن من الله تعالى بتدخل من البشر، ومنها ما لا تدخل للبشر فيه، فكان تجنيد وتسخير للمخلوقات على نطاق واسع، ولا عجب فالأمر جلل، الأمر عظيم وعظيم جداً، عظيم بعظمة خالق هذا الكون (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ) (الزمر 36 ـ 37)، عظيم بعظمة هذا النبي الخاتم (عليه الصلاة وأزكى السلام)، (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر 95 ـ 96)، عظيم بعظمة هذا الدين الحنيف (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران ـ 85)،عظيم بعظمة القرآن المجيد الذي جاء به (.. وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت 41 ـ 42)، عظيم بعظمة هذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..) (آل عمران ـ 110)، لهذا كله فهو حدث عظيم تجند له الكون بأسره بداية من جنس البشر وإلى الجمادات التي لا تتحرك.وإليك ـ أخي الكريم ـ التفصيل: أولاً: البشر: ومن المعلوم ـ أيها الأحبة ـ أن الله تعالى خلق البشر بين مؤمن وكافر، قال تعالى:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (التغابن ـ 2)، وقد لا يعجب العقل إذا علم أن الهجرة النبوية المباركة شارك فيها المؤمنون، أما ما يدعو للعجب أنها قد شارك فيها الكافرون أيضاً.فأما من نال شرف المشاركة من المؤمنين: أولاً ـ سيدنا أبو بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ فهو الذي نال شرف الصحبة الخاصة التي لم يحظَ بها سواه، وأي شرف! إنه شرف عظيم فقد ذكره الله تعالى مجملاً مع رسوله (صلى الله عليه وسلم) إجمالاً، قال تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 40).محمود عدلي الشريف[email protected]