كانت عقارب الساعة تهرول بنبضاتها المضربة التي تتخبط يمنة ويساراً ربما كانت تنتظر موعداً لحدث مهم سيغير مجرى الساعات والحروف والزمان في عُمان وسيرسم تاريخاً مهيباً لفجرٍ جديدٍ ما زالت الأم تهزُّ منز طفلها الذي لم يتوقف عن الصراخ منذ الليل لم تعلم بأنه يبشرها بأمل قادم لكي لاتنام وترى فجر الأمنيات ساطع في أفق السماء وتلك الرسائل المبعثرة تلتهب حنيناً من مندوس أم وعروس أخذت الغربة أحبابهن من أجل لقمة العيش.
انقشع الظلام لترى عُمان نوراُ جديداً جاء ليفتح عدة نوافذ من السماء وعزف الأبواق لميلاد جديد وسرعان ما دبّت الأرواح في قرانا كعادتها بدون حياة ولكن ثمة شيء غريب يحدث في هذا الصباح في قريتي (الواسط) والتي تقع بالقرب من حصن الولاية مشاهد مختلفة اقتطفتها لترصّع مقالي بأجمل اللحظات التي عاشها أهلنا في تلك الفترة التاريخية.
توقفت مشاهد الصور اليومية من عكاسة الزمن فلم يدفع الحاج بن عيد كعادته الماشوه للبحر بمساعدة زوجته والحاجة شريفة لم تباشر أعمال منزلها في الصباح والتي تحمل في أحضانها مولودتها الصغيرة التي لم تتعدى ١٠أيام عندما جاء المبشر يجوب الحارة "قابوس وصل إلى الحصن" لم تجمدها اللحظات بل وضعت مولودتها في منزل جارتها وأسرعت تسابق الخطوات مع الكثير من النساء والأطفال لتشاهد تلك اللحظات التي لن يكررها الزمان فكانت عيناها توثق ما تراه لتنقل جمال المشهد الي النساء المسنات اللواتي لم يستطعن الذهاب.
لم يعيق الطريق الضرير ولا ذاك الشيخ العجوز المتكأ على عصاته توقفت الحركه في السوق القديم الذي يقع بجانب الحصن وأصبح خالياً من الناس ثمة مشاعر جياشة ورغبة جامحة في رؤية سيد البلاد ولقائه وسماع حديثه ومعرفة ماذا يحمل لنا من أخبار سارة وبشرى تغير مجرى الحياة في عُمان انصرف الجميع، فامتلأت الأزقة فكان الضجيج في الطرقات وبصمات الأقدام المتسارعة فهو الشوق والأمل لمن يحمل شعلة النهوض وتحقيق الأمنيات.
ومن ذاكرة ذاك اليوم المميز والذي لايبرح مخيلة العم خليفة الصقري والذي مازال يقرأ من كتاب ذاكرته النفيسة ويحكي درر الكلمات التي نسجت حروفها من خيوط الصباح، ونقشت تفاصيل ذاك اليوم البهيج يوم السعد لذاك المشهد المهيب الذي مازال حاضراً فهو شاهداً على تفاصيل اللحظات كانت فرحته عارمة عندما أبلغهم الشيخ الوالي المرحوم زهران بن خلف المعولي عن قدوم جلالة السلطان قابوس إلى حصن الولاية بيومين فكان الإنتظار مفعماً بالشوق فبدأت الاستعدادات لاستقبال السلطان قابوس فهذه أول زيارة له لولاية الخابورة فتوافدت الجموع في اليوم المحدد ذهبوا صغار وكبار نحو الحصن والفرحة تغمر قلوبهم فكان الترقب للحظات ونبضات القلب تخرج عن السيطرة لهذا المشهد الذي لم يسبق وأن شاهدناه الكل كان يسأل متى سيصل الينا السلطان قابوس لنراه بأعيننا وهل نحن في حلم أم أنه واقع سيغير حياتنا للأفضل كان الشوق واللهفة يخيم على الأجواء الجموع محتشدة تزاحم المكان بالأرواح تعالت أصوات الأهازيج والفنون الشعبية والرقصات المعبرة عن فرحة المواطنين بالفارس الهمام انها الساعة التاسعة صباحاً كانت الدقائق تتأرجح ونبضات النفس أسرع من عقاربها.
الجموع أمام الحصن وصل الموكب الميمون وقد اصطف الجيش الحارس الامين لجلالته صفين متقابلين، من البحر الى باب الحصن وكنا نسرق النظرات وندخل بين الجموع لنوثق تلك اللحظات في الذاكرة ونحكيها لمن لم يستطيع الوصول ورؤية هذا المشهد الذي لن يكرره التاريخ لرجلٍ صنع المجد وصل جلالته الى حصن الولاية العريق بهيبة السلاطين وابتسامة ارتسمت على وجهه ترحب بتلك الجموع، فكان حديث الأب والأخ والقائد الذي أتى بوعد التطوير خيّم السكوت لسماع خطابه فكان الصباح يشرق بشمس ربه وبوهج السلطان قابوس.
ثم أذّن للشيوخ والوجهاء بالتشرف للسلام عليه فكانت لحظات مشرفة تشرف بها العم خليفة يالها من ساعة عظيمة وفرحة لا توصف، يوم خالد في ذاكرته .. وتعالت الأهازيج لتعم ربوع الخابورة حشد هائل من الناس أتت لتتشرف بتلك اللحظات التاريخية.
بعدها توجه جلالته الى الهجاري مركز قيادة الولاية للإلتقاء بالشيخ المرحوم سلطان بن سيف الحوسني، وقد تم تهيئة الطريق والمكان وإفتراشه بالسجاد بمقدار اثنين كيلو متر الى السبلة، حيث كان الإستقبال بحضور المشايخ وجمع من الناس لتتوثق اللحظات التاريخية بطيب اللقاء وهناك في تلك السبلة أي المجلس تم تبادل الاحاديث وما سيقدمه جلالته لعمان وشعبها للنهوض بمستوى هذا الوطن وإزاحت معانات مواطنيه من أقصى عمان الى أقصاها هذه الأفراح هذه اللحظات نقشت بصماتها على رمال البحر في ولايتي ونحتت في جبالها وطرقاتها عطراً مازال يحمل شذى وعبق ذاك الزمن ومازال البعض يستحضر تلك الذكريات العظيمة ويحكيها للأجيال فكم كان يوليو نبضه جميل.

سميحة الحوسنية
مراسلة (الوطن) بالخابورة