[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2015/03/must.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد مصطفى[/author]"من أهم تلك الدلالات ربط عقولنا الصغيرة بين القوة الأميركية الصاعدة (لم نكن نعي هذه المصطلحات الضخمة طبعا) وأهمية إنجاز الكهرباء في دفع التطور التكنولوجي البشري. ولم يكن القمر سوى تكئة لعقولنا الصغيرة من خبراتنا القليلة لتركيب تلك الصور الساذجة لكنها لا تخلو من بذور معرفة"يحتفل الأميركيون والعالم هذه الأيام بمرور نصف قرن على هبوط أول إنسان على سطح القمر، هو رجل الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ، في حدث فاصل في تاريخ التطور البشري واستغلال الانسان للفضاء. لكن تلك الذكرى بالنسبة لي تحمل شيئا آخر، أعتبره أهم ذاتيا وانه يشبه تلك النقلة الحضارية للبشرية. فقد تزامن حدث هبوط الانسان على سطح القمر ورفع العلم الأميركي عليه مع حدث لم يكن يقل أهمية للأولاد الصغار البسطاء أمثالي في ريف مصر. كانت مصر في الستينيات من القرن الماضي تشهد فورة تصنيع وزراعة ومحاولة بناء بلد على أنقاض ما خلفه العصر الملكي والاستعمار البريطاني مجتمعين. ومن بين المشروعات التي ما زال اهل بلادي يشعرون بنتائجها حتى الآن مشروع "كهربة الريف"، التي تحسب ضمن الكثير للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي ما زالت سيرته تزعج الكثيرين إلى يوم الدين.وبينما كنا نسمع عن صعود الأميركيين إلى القمر كانت الكهرباء وصلت إلى قريتنا وأضاءت شوارعها لمبات صغيرة تتدلى من أعمدة حديدية مربوطة بأسلاك ممتدة. وكان ذلك حدثا لو تعلمون عظيم، فقبل ذلك وحتى نهاية الستينيات لم يكن يضيء ليالي قريتنا سوى القمر، وكنا نغني له في الخسوف ونحن اطفال أغاني تطالب "الجنيات" بالتوقف عن خنقه وتركه ينير ليالينا. وبما أنه لم يكن هناك بعد انترنت ولا جوجل ولا وسائل تواصل، وكان خيالنا واسعا من فراغ الريف، ربطت عقولنا الصغيرة بين بين صعود الأميركان للقمر وإنارة ليالينا بالكهرباء وليس بالقمر!! قد يستغرب الجيل الحالي، وحتى الاجيال التي تسبقه ممن جاءوا بعدنا، كيف هذا الشطط وربما الخبل. لكن من عاش طفولته المبكرة في تلك الفترة يدرك ما أتحدث عنه، خاصة ونحن لم نتعلم القراءة بعد بما يكفي لنطلع على الكثير سوى من نتلقاه في كتاب القرية او فصول المدرسة الأولى من حروف وارقام.وسرح خيال بعضنا حتى تصورنا، بطفولية ساذجة بلهاء (بقياس هذه الأيام) أن الأميركيين لديهم كهرباء هائلة يوصلونها للقمر فيضيء سماء الدنيا كلها مثل اللمبات الصغيرة التي أبهرتنا في اعمدة شوارع قريتنا. وظللنا مدة نعتقد أن "الأميركيين ينيرون القمر بالكهربا"، حتى فلت ذلك على لسان بعضنا فصحح له الكبار معلوماته وعرفنا أن القمر لا يضاء بالكهرباء ولا بالزيت وانما بانعكاس ضوء الشمس عليه نحو الأرض. وتعلمنا وعرفنا ما حدث في العام الأخير من عقد الستينيات وما بعد ذلك من "غزو" الانسان للفضاء.. وعرفنا معنى غزو واحتلال وتقدم وتطور وتكنولوجيا... الخ. طبعا لم تكن تلك هي الخرافة الوحيدة في اذهاننا ونحن صغار في قرية صغيرة في ريف مصر لا تظهر على أي خريطة، إنما ما زلت أذكرها مع قليل مثلها لما أدركته فيما بعد بوعي متأخر من أنها تحمل دلالات كثيرة.من أهم تلك الدلالات ربط عقولنا الصغيرة بين القوة الأميركية الصاعدة (لم نكن نعي هذه المصطلحات الضخمة طبعا) وأهمية انجاز الكهرباء في دفع التطور التكنولوجي البشري. ولم يكن القمر سوى تكئة لعقولنا الصغيرة من خبراتنا القليلة لتركيب تلك الصور الساذجة لكنها لا تخلو من بذور معرفة. والحقيقة انني اتذكر تلك الصورة الخرافية في ذهن طفل بسيط في قرية مصرية في احيان كثيرة غير ذكرى هبوط أول انسان على القمر. فخلال حرب الخليج قبل نحو عقدين، وحين كان الاعلام الفضائي (وكان حديثا نسبيا مثل الكهرباء في قريتنا نهاية الستينيات) يصور اميركا على انها لا "تخفى عليها خافية" حتى انها تعرف ماركة الملابس الداخلية لأعدائها. وصدق الملايين وما زالوا تلك الخرافات، التي تثبت الوقائع العملية في الحروب وغيرها انها مجرد تهويل اخرق، عن الاعجاز الأميركي ـ ولم ار ذلك يختلف كثيرا عن تصوري كطفل ان اميركا تضئ القمر بالكهرباء.بالطبع ليست اميركا وحدها، فقد اعتقد الملايين من العرب والمسلمين في ذلك الوقت ايضا ان صدام حسين لديه صواريخ يمكن ان تمحي اسرائيل من الوجود واكتشفنا بعد ذلك انه تهويل احمق. ويمكن للمرء ان يعدد الكثير من التصورات والخرافات، بعضها من باب ارضاء غرور الذات وبعضها تروجه اجهزة مخابرات لأغراض محددة، منذ الستينيات حتى الآن والتي تشبه خرافتي الصغيرة وانا طفل قروي ساذج. يبقى القاسم المشترك في كل ذلك هو أن اميركا والكهرباء (والآن الطاقة بشكل عام) هما المتكرر الرئيسي في كل احداث البشرية الكبرى على مر تلك العقود التي تشكل فيها وعيي ووعي جيلي والاجيال التي تلت. ومهما غرقنا في تفاصيل احداث اخرى، لا تجد اميركا او الطاقة بعيدة عنها بشكل مباشر او غير مباشر. لا عجب اذا أن تفسيرات كبار الاستراتيجيين والمحللين ( وكل من ينتهون بـــ ين) لأغلب الأحداث حتى الآن لا يخلو من ذكر اميركا والطاقة (نفط، غاز، .. الخ)، وقد سبقناهم صغارا في قريتنا بتصور مماثل.كاتب وصحفي مصري