[author image="http://alwatan.com/files/2014/04/ahmedalma3shany.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد المعشني[/author]
لا أتذكر الآن في أي يوم أو في أي شهر حدث ذلك. لكنني أتذكر لحظة تاريخية بقيت حتى الآن تلازم ذاكرتي بكل قوة، مفعمة بتفاصيل مشهد صعودي إلى سيارة اللاندروفر المكشوفة، كانت تلك اللحظة توثق لأول مرة في حياتي أصعد راكبا في سيارة. علمت لاحقا أن ذلك العام كان 1973، لحظة نزولي إلى مدينة طاقة ثم سفري إلى مدينة صلالة لتلقي العلاج والالتحاق بالمدرسة، كان يوما لا يمكن أن يطوى من ذاكرة مشاعري، لحظة عانق فيها الفرح الخوف وصارا صديقين، فرحت أنني كنت بمعية والدي رحمه الله بعد أن فرقتنا الظروف لمدة تقرب من السنة؛ فقد التحق أبي بقوات الفرق الوطنية التي تشكلت في مستهل السبعينات وانحازت إلى خيار السلم ومشروع السلطان قابوس للتنمية والنهضة. وقد عملت تلك الفرق الوطنية على نشر مظلة الأمن ودعم سلطة دولة النظام و القانون في جميع ربوع جبال ظفار.
ها أنا ألتقي والدي بعد أن كدت أفقد الأمل في اللقاء به مرة أخرى، كانت الظروف التي تفصلنا عن بعضنا شاقة وبعيدة وخارجة عن إرادتنا؛ كتلك التي تفصل كوكب زحل عن كوكب الأرض. صرت أنظر إليه فأشعر بالدفء والحنان، وأتلقى من نظراته التأييد والثقة، فأشعر بالزهو والفخر كأي صبي يرى أباه كالإله. كان الطريق من طاقة إلى صلالة لا يزال ترابيا، حافلا بالمطبات والأحجار، وملغما في أماكن كثيرة، فكان السائق يحرك مقود السيارة معتمدا على الحدس والخبرة والمغامرة. كان الوقت فارزا خطيرا بين من ألهمهم وعيهم أن يناصروا السلطان ويدعموا جهود التنمية؛ خاصة أن جلالته اندمج معهم منذ أول يوم من عهده الميمون؛ و كانت خطاباته المرتجلة والمكتوبة مصاغة بعناية تحمل روح الصدق الذي يخترق القلوب والنفوس، كان يتحرك بين الناس بكل شجاعة وجرأة، ويرتاد الأماكن الحدودية التي كانت مصدرا للتمرد والحرب، ومن تلك المواقع الملتهبة كان يبث الأمل والأمن والأمان ويدعو أبناء شعبه كبارا وصغارا للتعاون معه من أجل بناء وطنهم. كان يرفع شعارا عريضا في المنافذ الحدودية والبرية والجوية يبث الجميع الأمن والسلام والطمأنينة، يستقبل جميع العائدين من الغربة والشقاء والتشرد؛ قائلا لهم: عفا الله عما سلف، إنني أدرك همومكم، عشتها كأي واحد منكم وأنا أعاهدكم أن أزيح تلك الظروف المأساوية من حياتكم، عشت معاناتكم طويلا، وتغربت مثلكم، وجئت إليكم الآن لكي أعمل معكم، لا استغني عن أي واحد منكم، الرجل والمرأة، والشباب والأطفال.
كل مواطن بالنسبة إليه كان مشروعا وغاية وهدفا للتنمية. لم ينتظر جلالته طويلا، فقد استدعى كل من يعرف القراءة والكتابة، ممن تعلموا في الكتاتيب، وممن تعلموا في فصول محو الأمية في الخارج، كان يستقبلهم فرادى وجماعات في القصر وفي السوق وفي الأماكن العامة، وكان قصره مفتوحا يستقبل الجميع، يستمع إلى همومهم وأحلامهم وأفكارهم، كان قلبه مليئا بالحب والتسامح والسلام، وبالتالي فقد كان حريصا جدا على حياة كل إنسان، استمرت الإذاعة المحلية التي كانت تبث أخبار التنمية وتبشر بالعهد الجديد، تذيع الأخبار المطمئنة للناس، وتنقل إلى أسماعهم أخبار الإنجازات التي تشبه المعجزات، افتتاح المدارس في كل مكان يصلح لاستقبال التلاميذ ويوفر الظل، كالأشجار وبيوت السعف، والخيام، والدهاليز الضيقة، بدأ التعليم بتلك الموارد المتواضعة وعلى أيدي المعلمين المتجولين الذين انتشروا في كل التجمعات السكانية التي تطورت لاحقا إلى مراكز للخدمات المدنية، ثم صارت نيابات وأصبح بعضها ولايات في وقت لاحق. تحركت السيارة، في البداية رأيت كل شيء يتحرك، ولفت بي الدنيا، وكدت أن أفقد السيطرة على نفسي في مؤخرة تلك السيارة المفتوحة، وخاصة عندما انطلقت تترنح على المطبات يمينا وشمالا، مكتظة بالركاب، ذكورا وإناثا، لكنني سرعان ما تكيفت مع الموقف وتداركت نفسي، خاصة عندما رأيت والدي مستقر الوجدان، رابط الجأش، أبعدت مشاعر الخوف، ثم ما لبث الخوف أن تحول إلى حالة من الطمأنينة والاستقرار النفسي، وعادت الأحلام تداعب عقلي. انطلقت السيارة تطوي المسافة بينما شرع عقلي يتحرك على أرجوحة الأحلام الجميلة.

رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية