عندما غادر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش السلطة، غادر معه أحد الدبلوماسيين المقربين منه ومن وزيرة خارجيته كونداليزا رايس، وكان هذا الدبلوماسي من أشد المتحمسين لخطط تقسيم الشرق الأوسط ونشر الفوضى؛ لكن بعد خروجه من منصبه ظهر في إحدى دول الشرق الأوسط في صورة مستثمر ورجل أعمال يدير مشروعات تخدم مخططات بلاده؛ إلا أن سمعته الدبلوماسية ظلت باقية وتطارده، ورأى أنه في حاجة لعملية "غسل سمعة"، وتم تنفيذ هذه العملية من خلال محرك البحث "جوجل" فتم تعريفه على أنه رجل أعمال ومسؤول إحدى الشركات العاملة في مجال الطاقة والعابرة للقارات، وأصبح البحث عن اسمه باللغة العربية مقترنا ببعض الأخبار باللغة الإنجليزية التي ترصد صفقاته الاقتصادية والتجارية، وبالتالي تم تضييق عملية تعرف وسائل الإعلام عليه.
موقف المسؤول الأميركي السابق يتشابه كثيرا مع موقف المجلس العسكري الانتقالي السوداني، والذي نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أنه وقع مع شركة علاقات عامة وتعبئة رأي كندية اتفاقًا قيمته ستة ملايين دولار أميركي لتسهيل حصول المجلس العسكري الانتقالي، على اعتراف دبلوماسي دولي، وتمويل مالي، بحسب ما نقلت "بي بي سي".
وقال رئيس الشركة، أري بن- ميناشي، إنه توصل إلى اتفاق مع المجلس العسكري "لمساعدتهم في تشكيل حكومة مدنية، وجلب اقتصادي مؤهل، ورئيس وزراء مؤهل لإدارة السودان حتى إجراء انتخابات عامة، وترتيب الأوضاع الحالية"، وأضاف: "سنسعى إلى تمثيل المجلس وتقديمه إلى دول العالم، وأعضاء المجلس مهتمون بأن يكونوا جزءا من العالم الغربي: الولايات المتحدة، وأوروبا، وأن يحافظوا على علاقات جيدة أيضا مع روسيا".
ونص الاتفاق ـ بحسب البي بي سي ـ على أن تعمل الشركة على كسب تأييد الحكومة الأميركية، وحكومتي السعودية وروسيا للتطورات الأخيرة في السودان، وللأهداف السياسية للمجلس الانتقالي، كما ستسعى الشركة في مرحلة لاحقة إلى توفير التمويل المالي والمعدات العسكرية للمجلس العسكري الانتقالي، وترتيب لقاء بين نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دجلو (حميدتي) والرئيس الأميركي دونالد ترامب".
اللافت في الأمر أن مدير الشركة الكندية كان ضابط استخبارات في جهاز الموساد الإسرائيلي، وأسس الشركة للعمل في تعبئة الرأي العام والتأثير فيه، وتلميع صورة العملاء مقابل مبالغ طائلة، وأنه سبق لزعماء شهدت بلدانهم انقلابات عسكرية أو توترات أمنية الاستعانة بهذه الشركة، مثل روبرت موجابي رئيس زيمبابوي السابق، وأفادت تقارير إعلامية أن القائد العسكري الليبي، خليفة حفتر، طلب هو الآخر مساعدتها.
الحقيقة أن إقدام المجلس العسكري السوداني على هذه الخطوة ما هو إلا محاولة لإجراء عملية "غسل سمعة" أمام المجتمع الدولي، في حين أنه لا يحتاج لهذه العملية لو أدار المرحلة الانتقالية بحيادية تامة، ودون أن تكون السلطة مطمعا للمجلس العسكري؛ ولكن عليه اكتساب الشرعية بحالة الرضا الداخلي بدلا من إنفاق الأموال السودانية لشركة يديرها ضابط من جهاز استخبارات الكيان المحتل والذي يكن العداء للعرب والمسلمين، وربما لو بدأ المجلس العسكري في تقديم ضمانات حقيقية للشعب السوداني لإقامة دولة مدنية على أسس ديمقراطية تعلو فيها قيم الحرية والإنسانية سيجد دعما داخليا لا محدود بدلا من تمويل وسيط صهيوني للتأثير في حكومات دول والجهات التنفيذية والتشريعية في تلك الدول، إلى جانب الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وربما منظمات ودول أخرى.
عندما أراد المسؤول الأميركي دفع أموال لغسل سمعته، تعامل باحترافية شديدة، وحجب المعلومات عن أهم مصادر المعرفة المعلوماتية، وربما فعل هذا لأنه يحتاج هذا الإجراء لتنفيذ مخطط كبير؛ لكن المجلس العسكري السوداني يمثل مؤسسة وطنية عريقة كان لها مواقف بطولة للذود عن السودان، ودفع البلاء عن المواطنين، ولا تحتاج لهذا الإجراء إن كانت لا تطمع في السلطة، وحتى إن اقتضت التغيرات والظروف الجيوسياسية أن يتولى العسكر الحكم بطريقة ما، فإنه لا بد من حسن الاختيار بدلا من "غسل السمعة" بالدماء التي يريقها اليهود، ودفع مقدرات السودانيين لواحد من أضلاع أجهزة محتلة أراقت دماء العرب والمسلمين.

أيمن حسين