[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/zohair.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]زهير ماجد [/author]أقوم بتحضير أغنيات محاضرتي عن "الأغنية الوطنية" التي ستقام بعد أيام، ضجيج الماضي الذي حكمت فيه تلك الأغنية مثير وقد يفتقد لمؤرخ له .. هنالك ما يؤكد لي أنه بعد وفاة جمال عبد الناصر أصيب ذلك النوع من الغناء بحالة موات مؤكدة، بل إن غياب عمالقة الغناء العرب المعروفين أدى إلى ذلك أيضا .. ومع ذلك، هنالك لكل قطر عربي أغنياته الوطنية الخاصة به، بدءا من نشيده الوطني وصولا إلى رمزه الأكبر سيد البلاد.وجدت الكثير وأنا أبحر في هذا البحر الذي لا قرار له، أن كل حدث مر في تاريخ مصر مثلا وهي الأساس فيها، سجلته الأغنية، فنحن إذن أمام حدث أو رمز أو قضية، هكذا تتبعثر الأغاني تلك لتسجل تاريخا مسلسلا من الأحداث .. كبار الأغنية تلك لم يلتزموا فقط بمصر، بل كانت مروحتهم الأساسية العالم العربي.ما بدا لي مثلا، أن النشيد الفلسطيني الذي قادته حركة "فتح" بالذات، كان هادرا مصمما على التحرير وعلى الكفاح والنضال حتى تحقيق النصر، حتى أنه في نشيد "لا صلح لا استسلام" يقسم أن لا يحصل هذا الصلح أو الاستسلام، فإذا به يتراجع عن قسمه ويحقق أوسلو مثلا، مع أن كبير السياسيين العالميين الرئيس اليوغوسلافي الراحل تيتو أول من أوصى الراحل ياسر عرفات أثناء اللقاء به في العاصمة اليوغوسلافية بلغراد أن إياكم التفاوض مع الإسرائيلي ولا حتى الاعتراف به وأنتم في حالة ضعف .. كان يعرف بخبرته الكبيرة تأثير الخطأ الفادح الذي وقع لاحقا في أوسلو على الفلسطينيين حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم.أم كلثوم مثلا لم تترك حدثا في مصر والوطن العربي إلا وقدمته غناء، ومثلها فعل عبد الحليم حافظ .. كان العراقيون يقولون إذا أردت أن تعرف تاريخ العراق فعليك قراءة الشاعر محمد مهدي الجواهري، أما اليوم فأقول، إذا أردت أن تعرف ماذا حدث في الوطن العربي منذ مطلع الخمسينيات وحتى حرب أكتوبر 1973 ستجده في الأغنية الوطنية المصرية تحديدا، لكنك ستجد في المقابل قامة غنائية عظيمة هي فيروز حاملة صليب فلسطين في العديد من أغانيها، وكذلك الشام حيث أبدع الشاعر سعيد عقل، وأيضا في معظم العالم العربي .. ويوم قلت للشاعر عقل لماذا انصبت أغانيك على المدن التاريخية وعلى الشام بالذات (أكثر من عشر أغانٍ) ولم تغن قادة؟ كان رده أن الإنسان يتغير أما المكان فثابت.الأغنية الوطنية بلسم للأوطان، إخراج للسر الوطني الذي هو الارتباط بمكان معين إلى العلن .. هو تحية محملة بالمشاعر الجياشة .. في الحشود المصرية الأولى في ميدان التحرير كانت الأغنية محركا كبيرا، لكن المسؤولين عن الحشود لم يجدوا سوى تلك الأغنيات التي ظهرت في المرحلة الناصرية، فكانت مثلا أغنية "صورة" لعبد الحليم، و"يا حبيبتي يا مصر" لشادية أو "أم الصابرين" وغيرها.عندما وقّع المنتصرون في الحرب العالمية الأولى مع المنهزم ألمانيا معاهدة فرساي، كان واحد من الشروط الأساسية منع بث النشيد الوطني الألماني في المدارس وفي الإذاعات وكذلك الأغنية الوطنية الألمانية، وهو أحد الدوافع التي دفعت الألمان إلى إسقاط المعاهدة لاحقا والذهاب إلى الحرب العالمية الثانية بقيادة هتلر، والعودة إلى تمجيده وتمجيد ألمانيا.