سهيل بن ناصر النهدي:
الهبطات صورة حقيقية لسوق عماني ومشهد اقتصادي تراثي قديم، فيه تنعكس الصورة الحقيقية لكيفية تأثير البيئة العمانية على الانسان العماني ومدى امتزاج الانسان مع البيئة والتأقلم الحاصل بين الطرفين عبر التأثير والتأثر والتجاذب وتطويع الحياة مع خصوصية الأطراف، فتجلت تلك الحياة على واقع الانسان العماني منذ القدم لتنعكس صورة (الهبطة) على حياة الانسان العماني وكفاحه وفرحته وتلاقيه وتبادل المنفعة بين الأطراف.
وبالعودة إلى المعنى الحقيقي لـ (الهبطة) فإنّ هذه الكلمة تأتي من الهبوط أي النزول، وفي معنى (الهبطة) فيها أن يهبط التاجر ببضاعته الى سوق معين ويهبط المتسوق لأخذ هذه البضائع، وعندما تكون المواشي هي السلعة الأبرز في الهبطات فإنّ الهبطات دائماً مع تكون في الحواضر فيهبط أي: ينزل الأهالي من مربي الماشية من الجبال والمناطق التي يسكنون ويربون المواشي فيها الى الأسواق التي دائماً ما تكون في مناطق حضرية يسهل الوصول إليها، فظلت معظم تلك المواقع محافظة على رونقها وخصوصيتها وتقام فيها الهبطات الى اليوم.
المتعمق في صورة المشهد الذي يكمن في عمق معاني (الهبطات)، يذهب الى ما هو أبعد من البيع والشراء للمواشي والاستعداد للعيد، فهذه الهبطات تضعنا أمام خصوصية عمانية تراثية قديمة فيها من الدقة والحكمة والمعنى ما يجعلنا نقف أمامها فخورين بهذه المنظومة الحياتية الطبيعية التي أسسها الانسان العماني في بيئته ووطنه وتعارفت عليها الأجيال المتعاقبة.
فمثل هذه المشاهد التي تعيشها السلطنة هذه الايام والمتمثلة في هبطات العيد والتي تأتي مع اقتراب حلول العيدين (الفطر والأضحى)، بمواقيت وضعت منذ الاف السنين ولم تتغير ،مواقت وضعها الانسان العماني منذ القدم وسار عليها الأبناء والأجيال جيل بعد جيل، معها يتحول ويتنقل التاجر والمستهلك من سوق الى آخر ومن ولاية الى أخرى، ومن لا يجد مبتغاه في هبطة سرور يجدها في نزوى ومن لا يجدها في نزوى يجدها في الرستاق أو ابراء أو السيب أو سناو أو غيرها من الهبطات الكبيرة والمعروفة.
ومن التفاصيل الجميلة لخصوصية الهبطات على البيئة العمانية وتفردها لدى الانسان العماني هو اختيار مواقع الهبطات بحيث تكون في اغلب الاحيان وسط واحات النخيل تجنباً لحرارة الشمس والطقس وأيضاً لتكون طقوس تلك الهبطات بأجواء مفتوحة ولكنها ملائمة للبائع والمتسوق، ورغم أن بعض مواقع الهبطات تغيرت عن السابق فمن المفترض أن تكون المواقع الجديدة أكثر راحة من السابق، وعلى سبيل المثال هبطة السيب التي كانت تقام في مكان بين مزارع وواحات النخيل وانتقلت مؤخراً الى منطقة المعبيلة الجنوبية ولكن شتان بين الموقعين.
كذلك فإن الهبطة تذكرنا دائماً بأن السلطنة ـ ولله الحمد ـ تزخر بثروة حيوانية فردية وسلالات من الإبل والماعز والأغنام بمختلف أشكالها وأنواعها وكلها تتجمع في الهبطات ويعرضها مربو الماشية للمتسوقين لتشاهد أمامك منتجات لثروة حيوانية أنتجتها البيئة العمانية.
كذلك فإن الهبطات لها مدلولاتها على أن الانسان العماني لم يكن سابقاً على اتكالية من وافد ليبيع له مواشيه أو يعرض بدلاً عنه بضاعته أو يختار له موقع السوق أو نوع البضاعة، فكل منظومة سوق (الهبطة) تدار وتعرض وتنفذ ببضاعة عمانية وأفكار عمانية وسواعد عمانية خالصة.
تتعدد أنماط العيش لدى الانسان العماني وفي كل نمط ومشهد تتجلى معاني مجتمع متحضر لديه حضارة قديمة ضاربة في عمق التاريخ، وكل هذه المفردات المكونة في تجمعها حضارة عمانية قديمة لابد لها من أن تكون باقية وبقاؤها مرتبط بمدى اقتناعنا نحن أبناء اليوم بمثل هذه المفردات الحضارية الانسانية الجميلة.
وبحديثنا عن الهبطات ومع اقتراب عيد الفطر السعيد ،تقبل الله منكنم الصيام والقيام .. وكل عام وأنتم بخير.
* من أسرة تحرير (الوطن)
[email protected]