[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/suodalharthy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]سعود بن علي الحارثي[/author]
غرناطة ج 1:
لم نشعر بالساعات الأربع التي قضيناها في الطريق من بلنسية إلى غرناطة، فالسعادة تقتل الوقت، وكانت أرواحنا تطير فرحا بلقاء غرناطة والحمراء وآثار العرب وذكرياتهم ومواطئ جيادهم، وأماكن خطتها أقدامهم وعاشتها أجسادهم ومدافن احتضنت أجداثهم. وكان الحوار بين الأصدقاء شيقا شجيا يتناول قيم التعايش والتسامح والعدالة والحرية والاهتمام بالإنسان محور النمو والتقدم والنجاح والإبداع وصانعها ودورها ـ أي هذه القيم ـ في بقاء الدول وقوتها ورسوخها. وكان الحكم العربي في الأندلس، والعماني في شرق إفريقيا خصوصا في فترة السلطان سعيد بن سلطان، والدولة العثمانية ودولة اليعاربة... حاضرة بقوة في ذلك الحوار الجميل باعتبارها نماذج تشهد على النجاح والقوة والازدهار والمجد والإنتاج العلمي والعمراني الثري والبقاء. غرناطة على بعضها تحفة فنية أبرع في صنعها الإنسان، الأعراق والأديان والعقائد والحضارات والأجيال والعصور والثقافات اجتمعت في غرناطة، فتدفقت الفنون وأبدعت العقول وبرع المهندسون المعماريون وأجاد المصممون واتحدت الجهود لتصنع للعالم جوهرة لا مثيل لها، فحق لها أن يحج إليها الملايين كل عام، وليس على إسبانيا بكثير أن تنافس على المراكز الأولى في عدد السياح، فلو لم يكن فيها غير قصر الحمراء لكفى. ما هذه الفخامة وهذا الرخاء والازدهار والثراء والأبهة والجمال الذي نراه في كل ركن وزاوية وحارة وزقاق وقصر وشارع وكنيسة؟ من قال بأن العالم يعيش اليوم أعلى درجات الحضارة والتقدم والنمو والازدهار فإن غرناطة تكذب قوله والحمراء تهدم حجته، كيف ظل قصر الحمراء لأكثر من ٨٠٠ عام شامخا مهيبا عظيما متحديا فارضا وجوده في أرض ومع قوم كرهوا مقامه، وأكثروا القول في ازدرائه وتمنو زواله ونموذجا لازدهار وثراء الحضارة الاسلامية؟ أخذنا الحافلة السياحية في جولة مسائية للتعريف بالمدينة، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات الأخرى التي تقدم للسائح شرحا مفصلا عن المواقع التاريخية، ويا للأسف على الكثير من المعلومات المغلوطة التي لا أشك بأنها مقصودة لطمس التاريخ العربي الإسلامي وإضعاف وجوده وتهميش دوره، وعلى سبيل المثال لا الحصر لهذا التهميش، فقد ذكر المرشد السياحي بأن جامعة غرناطة تعد واحدة من محركات الاقتصاد ويتلقى فيها العلم أكثر من ستين ألف طالب معظمهم من خارج المدينة، مضيفا بأن المدارس والجامعات موجودة في العصر الإسلامي بالطبع ولكنها ذات طابع وتخصص ديني، متجاهلا رسائل ملوك أوروبا الذين يستعطفون فيها خلفاء بني أمية وملوك المسلمين في قرطبة وغرناطة وإشبيلية بالموافقة على استقبال أبنائهم وأقربائهم في جامعات الأندلس، وتكفي برهانا رسالة جورج الثاني ملك إنجلترا إلى الخليفة هشام الثالث (فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أربعة أركان...)، فجاءه الرد سريعا من الخليفة بالموافقة على طلبه والإنفاق على البعثة من (بيت مال المسلمين)، وغض الطرف عن مكانة جامعة قرطبة التي كانت منارة علم يحج إليها الساسة والطلبة ورجال الدين من جميع المدن والدول الأوروبية لتلقي مختلف العلوم والتخصصات ولم تكن دينية فقط كما ذكر هذا المرشد السياحي، (ما أن تأسست جامعة قرطبة العظيمة، وطارت شهرتها إلى ما وراء جبال البرنات، حتى توارد علماء الفرنجة يطلبون العلم على علماء المسلمين)، وهو ذاته الوضع في غرناطة وإشبيلية والمدن الإسلامية الأخرى. العدد الكبير من الكاتدرائيات والكنائس والأديرة والأبرشيات والمراكز التبشيرية التي تتوزع على غرناطة، والمعلومات الطاغية التي قدمها المرشد السياحي عن الأحداث والمناسبات والشخصيات الكنسية ودورها التاريخي في المدينة وارتباطها بالكنيسة، وتعريف السائح بقصور القسس ورجال الدين والمراكز الكنسية تقدم للسائح قراءة تقول بأن غرناطة وبعد الاستيلاء عليها من قبل إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك ايراجون، وبسبب ما أظهروه من كره وحقد وتعصب أعمى وعمليات تطهير تجاه المسلمين حولوا كل أثر إسلامي بما في ذلك المساجد إلى كنائس وكاتدرائيات يظهر على بعضها الطابع المعماري المغربي واضحا وجليا، وكردة فعل معاكسة أنشأوا كذلك المزيد من الكنائس للتأكيد على مسيحية بلاد الأندلس. يا لله أراني لا أصدق حقيقة المشهد المهيب الذي تبصره عيني، والذي طالما حلمت أن أقف عليه، هل أنا فعلا أمام قصر الحمراء في غرناطة معقل ملوك بني الأحمر، الإمارة (الأكثر ازدهارا في أوروبا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر)؟ أقارن بين ما أراه ماثلا أمامي وما علق في ذاكرتي من بقايا قراءتي لرواية الكاتبة والروائية المعروفة (رضوى عاشور)، التي أجادت في تصوير فاجعة سقوط آخر معاقل الأندلس في روايتها الرصينة (ثلاثية غرناطة)، ونجحت بكل براعة عبر شخصياتها الرئيسية سكان (حي البيازين) أشهر أحياء غرناطة وصفحاتها التي تجاوزت الـ(500) صفحة، في عرض الأحداث المؤلمة بتفصيل ودقة، ونقل القارئ من الرواية إلى الحقيقة، إنه التاريخ لا يرحم، فشتان بين ما ضمنه في صفحاته وروايته عن طارق بن زياد قائد الأندلس وفاتح أبوابها وقلاعها، وأبي عبدالله محمد الصغير الذي قال قولته الشهيرة في موقف يقطع ألمه الأحشاء وعلى إيقاع الدمع المنهمر من عينيه (إن الله كتب عليه أن يكون شقيا، وأن يتم ضياع البلاد على يديه)، إنه التاريخ يعلنها بكل وضوح بأن المنتصر لا يفي لوعود واتفاقيات ولا يخضع لقيم وعواطف ولا يعبأ لصراخ المهزوم ونداءات استغاثته، فقد أحرق القشتاليون الكتب ودمروا ما تمكنوا منه من تراث المسلمين وحولوا المساجد إلى كنائس وحظروا ارتداء الملابس العربية وسلبوهم ممتلكاتهم فتم حظر (استخدام اللغة العربية والألقاب العربية والملابس العربية والحلي العربية وما بقي من حمامات عربية، وكافة الكتب تسلم لتفحص ويعاد منها ما لا خطورة فيه)، (في اليوم الرابع للعيد داهم القرية مائة من الفرسان المسلحين توزعوا في الحواري، واقتحموا حرمة البيوت. كسروا جرار الزيت والزيتون، شقوا أكياس الطحين والسكر. ألقوا بالتين والزبيب وداسوه بأحذيتهم ولوثوه بالطين والبصاق ... ثم غادروا القرية مخلفين وراءهم ثلاثة من القتلى وعشرة مجروحين، ونساء تولول على الشباب الذين اقتادوهم إلى سجن الناحية). وما أشبه اليوم بالبارحة، فأحداث الأمس تتكرر اليوم في مدن فلسطين المحتلة، لقد قدم أبو البقاء الرّندي في نونيته المشهورة (لكل شيء إذا ما تم نقصان) وصفا دقيقا لكارثة سقوط الأندلس ووقعها على الأمة الإسلامية، ملحمة شعرية تهتز لها كل خلجة من خلجات جسد الإنسان وهو يقرأها شطرا بعد آخر، إنها واحدة من أجمل مراثي الأوطان في الأدب العربي التي تصور مشاعر المسلمين عامة وأهل الأندلس خاصة لتلك الخسارة المدوية التي أصابتهم فكانت بمثابة الزلزال المدمر الذي لا تزال تبعاته تصيب أساسات البيت العربي حتى اليوم :
دَهَى الجزيرةَ أمْرٌ لا عزاءَ لهُ هوى لهُ أُحدٌ وانهدَّ ثَهلانُ
أصابَها العينُ في الإسلامِ فارتزأتْ حتّى خلتْ منهُ أقطارٌ وبلدانُ
فاسألْ بَلَنْسِيَةَ ما شأنُ مُرسيةٍ وأينَ شاطبةٌ أمْ أينَ جيَّانُ
وأينَ قرطبةٌ دارُ العلومِ فكَمْ مِنْ عالمٍ قَدْ سما فيها لهُ شانُ
وأين حِمصُ وما تحويهِ مِنْ نُزَهٍ ونهرُها العذبُ فيّاضٌ وملآنُ
قواعدٌ كُنَّ أركانَ البلادِ فما عسى البقاءُ إذا لمْ تبقَ أركانُ
تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ مِن أسفٍ كما بكى لفراقِ الإلفِ هَيمانُ
عَـلى دِيـارٍ مِـنَ الإِسلامِ خالِيَةٍ قَـد أَقـفَرَتْ وَلَها بالكُفرِ عُمرانُ
حيثُ المساجدُ قدْ صارتْ كنائسُ ما فيهنَّ إلّا نواقيسٌ وصُلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وَهْيَ جامدةٌ حتى المنابرُ تَرثي وهْيَ عِيدانُ

[email protected]