[author image="http://alwatan.com/files/2014/04/ahmedalma3shany.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد المعشني[/author]
انقضى الأسبوع الأول ولم يكن مختلفاً عن بقية أيام الشهور الأخرى، وبعد مضي أسبوع كثّف الطاعات، وضاعف قراءة القرآن الكريم، وتقلل من الطعام، ومارس التأمل وحفظ لسانه نسبياً، وبينما كان يقرأ القرآن بعد صلاة فجر اليوم العاشر، بدأ يشعر بدبيب من السكينة والطمأنينة تتسلل إلى عقله وقلبه وإحساسه، ثمة حلاوة غير مألوفة تنساب في عقله المعوي، وفي عقله القلبي وفي عقله الرأسى، انتشرت براعم من السكينة والطمأنينة في جميع أنحاء جسمه، وبدأ يلاحظ مغادرة دخان النوم الذي كان يفسد عليه تأمله وتفكيره، وصار لكلمات القرآن الكريم حلاوة لم يذقها من قبل، وبدأ يشعر بحلول يقظة عقلية في وعيه، صار الاتصال فعّالاً، هذا ما يحاول سعيد تحقيقه طيلة ثلاثين عاماً، كان يصلي ويقرأ القرآن ويلتزم حدود ما أمر الله ويبتعد عما نهى الشرع عنه، لكن عبادته كانت طاعة واجب ولم تكن طاعة ذوق، لكنه خلال الثلث الأول من رمضان، رزقه الله يوماً واحداً فتح بينه باباً من النور، فصار يستعيد تلك اللحظة الرائعة، ويبحث عنها في جميع الفروض، يفتش عنها في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفي صلاة القيام ثم في صلاة الفجر، يريد أن يستعيد ذلك الشعور الغامر بالسيكنة والأمان والطمأنينة، يتحرى هبوط تلك المائدة النورانية مرة أخرى، فتأثيرها لا يزال يرافقه في دخوله وخروجه، أثناء قيادته لسيارته وخلال ساعات تجواله لقضاء حاجات أسرته، لزم الذكر والدعاء سائلاً الله تعالى أن يصله:(اللهم يا واصل المنقطعين صلنا إليك، اللهم اجعل اعتمادنا عليك .. اللهم أنت القائل:(فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ) .. اللهم أنت القائل وقولك الحق: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) .. اللهم أنت القائل في الحديث القدسي:(إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيراً منه ..)، صار يردد هذه النصوص ويستحضر وعيه وشعوره أثناء ترديدها.
تذكر أنه لا بد أن يواظب على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، عليه أن يبقي الخط بينه وبين خالقه حيّاً وفعالاً، فصار يرى ويسمع ويشعر بالقرب من الله سبحانه وتعالى، واتسع الوعي للخالق عزوجل، ليشمل كل شيء، بدءاً من وجوده هو واستمراراً في كل الوجود وفي الزمان والمكان اللانهائي .. هو الله، هو الله، هو الله عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم .. بدأ يعشق المسجد أكثر بكثير من ذي قبل، وصار يركز في قراءة الأذكار بسهولة أكثر، وصار للقرآن حضور مؤثر في ساعات يومه، صار يقبل على القرآن بحب وبعشق وبلذّة كبيرة.
لقد أدرك سعيد أن يولد من جديد، وأن حياته تبدأ الآن وأن رحاباً واسعة فتحت له، لكي يقترب من الله أفضل، وأدرك سعيد أن عليه أن يبقى متصلاً بالنور، فهو أراد أو لم يرد، شاء أم لم يشأ لا بد أن يكون متصلاً في الداخل والخارج، وقرر بأن يكون اتصاله مقترناً بالوعي بالله سبحانه وتعالى، ومستحضراً معيته تعالى، ومتفاعلاً معه، بطريقة تظهر الحالة العقلية والروحية التي بلغها سعيد.

* رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية