[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedbinsaidalftisy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد بن سعيد الفطيسي[/author]قد لا يكون من المستغرب لدى شعوب المنطقة هذا الكم الهائل من الأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط عموما والخليج العربي خصوصا, فليس من المبالغة في القول إن هذه البقعة الجغرافية من العالم ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تنل قسطا من السكينة والراحة، فقد عانت كثيرا من التدخلات السياسية والاستعمار بمختلف توجهاته، وأدخلت إلى العديد من الحروب والصراعات التي استنزفت ثرواتها وخيراتها ودمرت العمران وقضت على الإنسان.والمتتبع لهذا السيناريو الكارثي يلحظ ارتفاع سقف هذه المنافسة والصدام على المصالح بين الدول الكبرى مع بداية القرن الـ21، وإن دل هذا على شيء فهو أن هذه المنطقة ما زالت تعد الجائزة الكبرى وقلب الصراعات الدولية منذ عقود طويلة، ويبدو أنها ستستمر كذلك خلال العقود القادمة، خصوصا بين الدول الكبرى والتي يقع على رأسها الولايات المتحدة الأميركية والتي (أولت أهمية استراتيجية أكبر للشؤون الاقتصادية وشؤون الموارد في حقبة ما بعد الحرب الباردة، فمنذ 1990 فعلت ذلك كل حكومة كبرى تقريبا, في حين أن السمة الخصوصية لإعادة الهيكلة هذه قد اختلفت من بلد إلى آخر. فقد كانت النتيجة الإجمالية لهذه الجهود هي ما يمكن تسميته اصطلاحا إضفاء الطابع الاقتصادي على قضايا الأمن الدولي) ( 1 ) وكذلك فعلت بقية القوى الدولية الكبرى والقارية وحتى الدول الصغيرة الطامحة منها في الهيمنة والبحث عن السلطة والنفوذ في حدود إقليمها الجيوسياسي على أقل تقدير.على ضوء ذلك الاهتمام والتوجه الاستراتيجي للقوى الكبرى حيال الأمن الاقتصادي وشؤون الموارد فقد أصبح الشرق الأوسط عموما ومنطقة الخليج العربي خصوصا المنطقة الأكثر عرضة للإغارة الجيواقتصادية والجيوسياسية العالمية منذ مطلع القرن الـ21. وبمعنى آخر، عد الشرق الأوسط بوجه عام ومنطقة الخليج العربي خصوصا، وبسبب ذلك التحول في السياسات الدولية الجائزة الكبرى والوجبة الدسمة للكثير من الطامحين والطامعين من المستعمرين عبر عقود من الزمن القديم والحديث. كما يعد الشرق الأوسط اليوم الساحة الأهم والأبرز للصراع على مصادر الطاقة ومنافذ السلطة والقوة والنفوذ في العالم.فقد احتلت منطقة الشرق الأوسط بوجه عام، والخليج العربي على وجه الخصوص أهمية بالغة ورئيسية في العديد من الاستراتيجيات الدولية (وذلك يعود للقيمة المتزايدة التي تمتعت وما زالت تتمتع بها على المستويين الإقليمي والدولي، سواء بفعل موقعها الجغرافي المتميز من الناحيتين الجيوبوليتكية والاستراتيجية والذي يشكل عامل استقطاب مهم للقوى الدولية، ولامتلاكها أهم موارد الطاقة في العصر الحديث، فباتت هذه المنطقة محورا أساسيا من محاور الصراع والتنافس الدوليين بين استراتيجيات القوى العظمى، ومجالا حيويا لتطبيقاتها الجيوبوليتكية) ( 2 )حيث (لم تخل المنطقة – أي منطقة الشرق الأوسط - وبالذات منطقة الخليج العربي من الصراعات الدولية خصوصا بعد إدراك الدول العظمى مكانتها الاستراتيجية والاقتصادية نظرا لثرواتها من النفط الأساسي اللازم لنهوض الصناعات المتطورة في البلدان الصناعية، إضافة إلى احتضانها لمضيق هرمز الممر المهم نحو العوالم الخارجية والمتحكم في سير النفط)( 3).ويعد مضيق هرمز المجال الحيوي للاستيراد والتصدير والمنفذ الوحيد للخليج العربي من جهة، وأحد أهم الأوراق الرابحة للنفاذ نحو موارد القوة والسلطة والنفوذ الجيوسياسي والجيواقتصادي للكثير من القوى الدولية الكبرى والقارية والإقليمية في القرن الـ21 من جهة أخرى، خصوصا مصادر الطاقة كالنفط والغاز. فعلى سبيل المثال يمثل هذا المضيق للجمهورية الإيرانية (حدودها الجنوبية وخاصرتها الأمنية والاقتصادية. كما يراه الاتحاد السوفيتي السابق "روسيا حاليا"، المجال الأمني لحدوده الجنوبية وحلقة وصل للدول المطلة على الخليج العربي. أما بالنسبة للدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية واليابان فللمضيق أهمية اقتصادية عظمى لكونه أكبر منطقة منتجة ومخزنة للطاقة) (4 )وإذا (كان قدر منطقة الخليج أنها شكلت محط أنضار القوى الاستعمارية منذ القدم، حيث استعمرتها بريطانيا لمدة تزيد على 150 عاما، فإن انسحابها أفسح المجال لتشكيل أطماع قوة عالمية أخرى بدأت تحل محلها، وهي التي حرصت على الانفراد بإدارة شؤون النظام الإقليمي الخليجي ونعني بها الولايات المتحدة الأميركية)( 5). وبالفعل لم تخفِ الولايات المتحدة الأميركية نيتها التوغل إلى الشرق الأوسط عموما والخليج العربي خصوصا عبر بوابة النفط بعد أحداث العام 2001م، وهو ما أكده جيمس وولسي R.James Woolsey الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الأميركية في نوفمبر من العام 2002 بقوله: (يمكن اعتبار العراق المعركة الأولى في الحرب العالمية الرابعة) (6 )كما أكد أن لدى الولايات المتحدة الأميركية مصالح في السيطرة على آبار النفط المنتشرة بأكبر مخزون استراتيجي في العالم ـ أي في الشرق الأوسط ـ قائلا (اعتقدنا دوما أن معيار قوة أنظمة الشرق الأوسط تكمن في أنها تستطيع أن تمنع عنا النفط في الوقت الذي تريده كما حدث في حرب أكتوبر 1973 وأن الرسالة القوية والواضحة التي سننقلها هي أننا لن نسمح بمثل هذه الأعمال مطلقا، وأن من يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الأخطاء الاستراتيجية في منع النفط عن أميركا لا بد أن يعاقب وبدون تردد، وأن قواتنا العسكرية ستكون جاهزة للتحرك في أي مكان في منطقة الشرق الأوسط من أجل تأمين مصالحنا الاستراتيجية) (7)كما أكد هذا الاتجاه الجنرال أنطوني زيني Anthony Zinni والذي كان آنذاك القائد العام للقوات الأميركية في منطقة الخليج العربي بقوله (إن منطقة الشرق الأوسط ذات قيمة واضحة لنا كمصدر للنفط والغاز الطبيعي. وتابع قائلا: عدم استقرار هذه المنطقة يمكن أن يعرض للخطر حرية الوصول إلى هذه الموارد، فالحاجة إلى الحفاظ على استقرار الأمور هناك... هي حيوية لاقتصادنا) ( 8)ملاحظة: بتصرف عن دراسة لي تحت عنوان: الثقل الجيواقتصادي للشرق الأوسط والخليج العربي ودوره في تغيير خريطة الصراعات والتدخلات في القرن الـ21 – تم النشر بمجلة الباحث الأكاديمي في العلوم القانونية والسياسية، بمعهد الحقوق والعلوم السياسية بالمركز الجامعي بافلو، الجزائر، ع الأول ص 12- 24ـــــــــــــــــــمراجع1 ـ مايكل كلير , الحروب على الموارد – الجغرافيا الجديدة للنزاعات العالمية – ترجمة : عدنان حسن , دار الكتاب العربي , بيروت / لبنان , بدون ط / 2002م2 ـ د. لمى مضر جريء الإمارة , المتغيرات الداخلية والخارجية في روسيا الاتحادية وتأثيرها على سياستها تجاه منطقة الخليج العربي في الفترة 1990- 2003م , مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية , ط1/2003 ـ د. علي بن احمد العيسائي , أزمة الملاحة والمرور في مضيق هرمز , مكتبة الضامري للنشر والتوزيع , مسقط / سلطنة عمان , ط1/2014م4 ـ د. علي بن احمد العيسائي, المرجع السابق5 ـ محمد بن صنيتان, مستقبل الأنظمة الخليجية والمتغيرات الإقليمية والدولية, ورقة قدمت الى مؤتمر الوحدة السياسية للخليج الذي انعقد في ميلانو بين 26-29 سبتمبر 2011م6 ـ ريتشارد هاينبرغ, غروب الطاقة – الخيارات والمسارات في عالم ما بعد البترول - ترجمة: مازن جندلي, الدار العربية للعلوم, بيروت/لبنان, ط1/2006م7 ـ محمد بن سعيد الفطيسي, مصادر الطاقة بين السياسة والبقاء الإنساني, 1 فبراير/2016م, http://alwatan.com/details/966808 ـ محضر غير رسمي لجلسة استماع للجنة الامن القومي للبيت الابيض حول ميزانية الدفاع للعام المالي 1999, واشنطن العاصمة - بتاريخ 5/مارس/1998 كما سجلت من قبل مصلحة الأخبار الفيدرالية وقدمت بشكل إلكتروني من قبل مصلحة المعلومات التابعة للكونجرس الأميركي .