هلَّت أنوار الشهر الفضيل، شهر القرآن الكريم، شهرٌ نزل فيه هذا الكتاب العزيز، حيث في مثل هذه الأيام الكريمة على الله، أيام الطاعة وحسن العبادة، وجميل الإخلاص، قال الله تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ..)، والفعل (أُنْزِلُ) فعلٌ ماض، مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، يحتمل أن يكون معناه أنه قد نزل كله دفعة واحدة إلى السماء الأولى، في بيت العزة، ثم نزل مفرقا حسب الوقائع والأحداث، ويحتمل أنه بدأ تنزُّله في هذا الشهر، وخصوصا في ليلة مباركة ذكرها القرآن الكريم في سورة الدخان، فقال:(حـم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وأكد عليها في سورة القدر، فقال ـ عزّ من قائل:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) وكلُّه يعود إلى طبيعة القدرة الإلهية، وإحاطتها بالزمن كلِّه من أول خلقها إلى أن تقوم الساعة، وسعة علم الله ـ جلّ في علاه ـ هذا القرآن الكريم، وأحداثه، وفي هذه الأيام المباركة، لكنْ، كيف نتعامل مع هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر المبارك، وهذه الأوقات الطيبة المباركة التي تمضي سريعاً سريعاً؟.إنه ينبغي أن نأخذه بجلاله، وحقه، وسموِّ مكانته، وعلوِّ منزلته، ونجعله في حنايا القلب، وطوايا الفؤاد، ونقرؤه بعناية بالغة، ودراية سامية، وتأمُّل واعٍ، ونظرٍ حصيفٍ، ونقف عند حروفه، وكلماته، وجمله، وعباراته، ونعيش دلالات الآيات، وما ترمي إليه من قيم وتعليمات، وما تهدف إليه، وتحثُّ عليه، ونستبطن جمالَها، ونتذوق كمالها، ونعيش عطاءَها، ونقرأ تفسيرًا لطيفًا موجَزًا مختصَرًا لكلِّ سورة، يبيِّن لنا أهدافها، ويقفنا على مراميها، ويوضِّح موضوعاتها، ويكشف عن مبانيها، حتى نكون على وَعْيٍ بما نقرأ، وعلى فهم لما نتلو، نقرأ كتيِّبًا ميسَّرًا حول كلِّ سورة يتحدث عنها، وعما تضمَّنته من قيمٍ، وأخلاقيات، ومعانٍ، ودلالاتٍ، وما حَثَّتْ عليه من مطالبَ، وتعليمات، ونتوقف عند آياتِ الجنة، ونطلب من الله أن يرزقناها، وتدمعَ عيونُنا عند كلِّ فضل من الله، ونعمة، ونشكر الله عليها، وترتجف قلوبُنا عند كلِّ آية فيها عذابٌ،وذكرٌ للنار، ولجهنمَ وعذاب السعير، أو ذكر للزقوم، والضريع، والحميم والشراب الذي يُسْقَاهُ أهل النار،فيغلي في البطون كغلي الحميم، ونبكي لله أن يجنِّبنا هذا العذاب، ويقيَنا هذا الألم، وإذا مررنا بسجدة سجدنا، وقلنا دعاءَ السجود، وتمنَّيْنا أن نسجدَ لله كثيراً، وإذا مررْنا بأمر بالتسبيح سبَّحْنا، أو بالحمد والشكر حمدْنا وشكرْنا، وإذا مررْنا باستعاذة استعذْنا، وعندما نُقبِل على التلاوة نقبلُ عليها بقلب واع، ونفْس طَلَّاعة للثواب، ولحب تلاوة الكتاب، وبذاتٍ وثَّابة للطاعة، وقلبٍ رقيقٍ يدمع عند القراءة، وعينٍ سَحَّاحَة لا تفتأ تبكي عند كلِّ فضل، وخير من الله، وتخشع عند كلِّ ما من شأنه الإجلالُ، والتوقيرُ لكل مظهر من مظاهر القوة، والعظمة، والجلال الإلهي.نعيش مع كل حرف، وكل كلمة، وكل جملة، وكل أسلوب، وكل تركيب، ونذوب في معانيها، ونختلط لحمًا ودمًا بتلك التلاوة، وحبَّذا لو كُنَّا على طهارة، ووضوء، وفي مكان طاهر، سواء أكان مسجدا أم منزلا أم سيارة أم نحوها، مما يجعل التلاوة مرقِّقة للقلب، دامعةً للعين، مُرْجِفةً للجسم، ولنتخيلْ أن الله يرانا، ويطلع علينا ونحن نتلو كتابه الكريم، ويرانا ونحن نعظِّمه: حملا، وتلاوة، وتعلُّمًا، وتعليمًا، وتقديسًا، وتعظيما، جاء شهرُ القرآن الكريم الذي يجبُ فيه أن نحقق معنى قوله تعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس)، فنُدِيمُ تلاوته من أول لحظة في الشهر الفضيل، ونستمر في التلاوة يوميًّا: غُدُوًّا، ورواحًا، مساءً، وصباحًا، ونستمر حتى آخر لحيظة في الشهر الفضيل، ونسأل الله أن يَمُنَّ علينا وعلى كل مسلم ومسلمة بالقبول للصيام، والقيام، وتلاوة القرآن، والذِّكْرِ، وسائر الطاعات، وكل العبادات، ولا نضيِّع وقتًا، سواء كنا في الطريق إلى العمل، أو كنا في العودة منه، أو كنا في البيت، أو المصنع أو المتجر أو المزرعة أو الجامعة أو في أيِّ مؤسسة، أو ونحن ماضون إلى المساجد، أو إلى المحالِّ التجارية لقضاء حوائجِنا، ونمضي به تلاوةً في كلِّ مكان، ويُسمَع لنا في المساجد طنينٌ به، ونُحيلُ الأجواءَ كلَّها إلى قرآنٍ كريمٍ؛ لترى ملائكة الله أننا نحبُّ القرآن الكريم، ونحبُّ استدامة تلاوتِه، ونَهِيمُ به في كلِّ مكان: مدناً كانت أم قُرًى أم صحارى، أم جبالا وتلالا، وهضابًا وسفوحًا، نمضي به في كلِّ مكان، ونستصحبه معنا في أيِّ بقعة نكونُ فيها، أونرحلُ عنها إلى غيرها، فتشيعُ التلاوة في كل مكان، وكل زمان، وترى الملائكة أننا تلَّاؤون للقرآن الكريم، هائمون به .. إنه شهر القرآن الكريم، شهر التلاواتِ الكثيرة، فمِنَّا مَنْ يختمه عشرين مرة، ومِنَّا من يختمه عشرَ مرات، ومِنَّا من يختمه خمسَ مرات، ومنا الذي يختمه ختمة واحدة، ومِنَّا مَنْ يكثر سماعه، وتفسيره، والوقوف على معانيه، ومطالبه، ومراداته، وكلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلِقَ له، وفي المقالات القادمة نقف عند بلاغته، وبيانه، وعطائه، ونمتطي صهوة اللغةِ لنبيِّن وجه الجلال، والإعجاز، سواء وردت في حركاته أو في حروفه أو في كلماته وعباراته أو في صوره وأساليبه، وتعبيراته، كلَّ عام وأنتم جميعا بخير، وتقبَّلَ الله منا ومنكم، والحمد لله الذي أبقانا حتى دخلْنا أجواءَ الشهرِ الفضيل، وكنا من أهله وأتباعه.