[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/suodalharthy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]سعود بن علي الحارثي[/author]
الدوافع والمحفزات التشويقية التي تتنامى مع اقتراب موعد الانطلاق، تعمق في داخلي مشاعر الفرح والبهجة والإثارة وأنا في طريقي إلى المطار، إنه تعبير صادق عن استثنائية الرحلة، عن المكانة التي تحتلها الأندلس (الفردوس المفقود) في قلوبنا، عن الثراء الحضاري المكتنز بمكوناته النابضة أبدا بالحياة، والفنون المعمارية الإسلامية الآسرة، عن التنوع الثقافي الفريد والحياة المزدهرة التي استقطبت أمما وشعوبا، علماء وصناعا، مفكرين ومبدعين وفلاسفة، أطباء وفلكيين ورحالة، أدباء وشعراء وأساتذة في مختلف المجالات والتخصصات، إنها الأرض التي عاش فيها العرب مع غيرهم من الأعراق والشعوب فاعلين ومؤثرين، منتجين ومبدعين، مدركين لقدراتهم وإمكاناتهم التي أهلتهم ليكونوا سادة العالم فاستثمروها بما يخدم عقيدتهم ويصلح شؤون وأحوال الأمم والشعوب، متعايشين ومتسامحين ومؤمنين بقيم دينهم ومبادئه التي طبقوها على أرض الواقع فعلا وممارسة فكانوا نموذجا إنسانيا فريدا في محيطهم العالمي ومن قبل أن يطبق هذا العالم نظمه الديمقراطية التي يتفنن الأقوياء منهم اليوم في تسويقها ومحاولة فرضها علينا بالقوة والجبروت، قدم الحكم العربي الإسلامي في الأندلس نموذجا لقيم الإسلام العظيمة، ونجاحا باهرا في ممارستها عمليا من خلال صور التعايش والتسامح وتقبل مختلف الأعراق والأديان والعقائد والثقافات، فشكل مجتمعا إنسانيا متكاملا متحابا متجانسا، وكان النظام السياسي الإسلامي خلافة أم سلطانا أم ملكا يحتفي في بلاطه بالوزراء الأكفاء والشعراء الكبار والعلماء والأطباء والمفكرين من مختلف الأعراق والأديان، ووجد اليهود في الأندلس متنفسا من الحرية لم يجدوه في تاريخهم القديم والحديث من التقدير والاحترام والعيش الكريم المحمي بتلك القيم السامية من المكدرات والمنغصات، في قصور الأندلس الشماء ومدارسها وجامعاتها الكثيفة وأفنانها الغناء وجداول مياهها الرقراق وساحاتها الفسيحة نسجت الحياة ملاحم وبطولات، وأقامت مجالس علم وأدب ثرية بالحوارات والمناظرات الرفيعة للسادة المثقفين والأدباء والعلماء والمفكرين والساسة والقادة العظام الذين حووا من العلوم والآداب أطيبها وأعزها، ابن الفضل - ابن رشد - ابن الخطيب - ابن ماجه - ابن عبد ربه وعقده الفريد - المجريطي - الزهراوي - ابن حزم - ابن البيطار - المنصور بن أبي عامر الذي «غزا في حياته أربعا وخمسين غزوة، لم يُهزم أبدا في واحدة منها»، وفرحت أوروبا بموته، ونقش على قبره هذان البيتان: (آثـاره تنبيك عــن أخبـاره * حتى كأنك بالعيان تراه * تالله لا يأتي الزمان بمثله * أبدا ولا يحمي الثغور سواه) .... سلسلة لا تنتهي من العلماء والأطباء والفلكيين والقادة والساسة الذين أبهروا العالم، ومثل كل واحد منهم مدرسة مستقلة لا تزال حتى اليوم تسقي طلبة العالم عبيرها، وقدمت للعالم عيون الشعر ورحيق المعرفة وروائع الفنون والهندسة المعمارية وجمال الصناعات والحرف... وقصص عشق لا مثيل لها؛ لم تكن الأميرة الشاعرة الولادة بنت المستكفي وابن زيدون (أضحى الثنائي بديلا عن تدانينا * وناب عن طيب لقيانا تجافينا)، ولا المعتمد بن عباد وصديقه الشاعر أبو بكر بن عمار واعتماد (تملكت مني صعب المرامي * وصادفت ودي سهل القياد . دسست اسمك الحلو في طي شعري * وألفت فيك حروف اعتماد)، وذلك الشعر الغزلي الرقراق الذي تستسيغه وتتذوقه النفوس وظل محفوظا موثقا في القلوب وتردده الألسن بلا انقطاع في كل زمان ومكان وبمختلف اللغات، إلا نماذج بسيطة لها، الأندلس قصة عصر ورحلة حياة تلخص إرادة الرجال وعزيمة الأبطال وقوة وعظمة الشخصيات التي آمنت بإسلامها واطمأنت إلى قدراتها وتمكنت من بلوغ هذه المواقع الجغرافية البعيدة بوسائل متواضعة وإمكانات بسيطة للغاية ورفعت سماء ملك أشرقت أنواره على الأرض وعلومه على الإنسانية جمعاء، وهنا أتذكر ما عبرت عنه فصاحة العم الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ـ رحمه الله ـ في قصيدته التي نظمها بمناسبة زيارته إلى الأندلس والتي تسجل إعجابه بعظمة أولئك الرجال الذين عبروا المفازات والصحارى والجبال والمدن والدول والبحار والمحيطات انطلاقا من الحجاز إلى أوروبا متسائلا: هل يعقل بأن هذا الإنجاز الكبير قد تم على (متون الخيل) :
أين الحجاز من أوروبا قل لي * أكل ذا على متون الخيل!
وسرعان ما يتبع الشيخ سؤاله بالإجابة التي يعيها ويدركها دون شك:
إنه لعمر الله قوة الرضا * وقوة اليقين في هذا المضا
من هم أولاء هم رجال الدين * وخيرة المهيمن المعين
ما لبسوا قط خواتم الذهب * ولا ينامون على شتى الريب
ولا يداهنون في الله أحد * وليس في قلوبهم غير الأحد
لا يعرفون العز إلا الطاعة * لا يطلبون غيرها بضاعة
هذه هي صفات ومتطلبات ومحفزات القيادة والنجاح التي تبني وترفع وتحقق الغايات والطموحات، وعندما تفقدها القيادة تنهار الإنجازات وتسقط الحضارات وتتفتت الدول، وهي في مجملها تلخص قصة تاريخية لحضارة عربية اسمها الأندلس. في حوالي الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، هدرت محركات طائرة طيران الاتحاد استعدادا للطيران إلى مطار برشلونة، وبدأت في التحرك على مدرجات مطار مسقط الدولي، الذي يتصدر قائمة (أسرع المطارات نموا في الشرق الأوسط في رضا المسافرين حيث حصد جائزة أفضل مطارات الشرق الأوسط نموا في جودة خدمات المطارات حسب ما أعلنه مجلس المطارات العالمي لعام 2018.)، وقفز تصنيفه كأفضل مطار في تقييم (سكاي تراكيب) من مرتبة (118 في 2018 إلى 66 في 2019م)، وهو تطور يشعرنا بالفخر والسعادة ويقودنا سريعا إلى مرحلة تحقيق التطلعات بأن تسهم مطارات وموانئ السلطنة ومشاريعها الاستثمارية الطموحة في تعزيز الموارد، وشتان بين رحلتنا الاستجمامية التي لن تستغرق أكثر من سبع ساعات وما يصحبها من وجبات واسترخاء وتقنيات وقنوات ترفيه وصحبة تتبادل الطرفة والسعادة وقلوب خالية من الهموم والتفكير، وبين رحلة طارق ابن زياد وصقر قريش، بين إعداد الجيوش وصقل الهمم والعزائم لتحقيق المعجزات والغايات الكبيرة مع ما للرحلتين من أهداف وتطلعات وطموحات تصغر مع الأولى وتكبر في الثانية.

[email protected]