(دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (10)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمـين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد .. فـلا زال الحـديـث مـوصـولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسور) يـقـول الله تعالى:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسـراء ـ 9).
كان الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) يتـطـلـع إلى أن يـوجـهـه الله إلى قـبـلـة جـده خـلـيـل الـرحـمـن، وقـد كان يـدعـو الله ويـلح في الـدعـاء، فـجـاء ذلك في قـوله تعالى:)قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البـقـرة ـ 144).
وعـن الـبـراء بن عـازب ـ رضي الله عـنه ـ قال: كان رسـول الله (صلى الله عـلـيـه وسـلـم) صلى نحـو بيـت المـقـدس سـتة عـشـر أو سـبعـة عشر شـهـراً وكان رسـول الله ـ صلى الله عـلـيه وسـلم ـ يحـب أن يتـوجه إلى الكـعـبة.
وكـما سـبـق الـقـول، لـقـد كان النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) يتـمنى وينـتـظـر مـتى يأذن الله تعالى له بالـتـوجـه إلى البـيت الحـرام (الكـعـبـة) الـذي بـناه إبـراهـيـم ـ عـلـيه السـلام ـ وكان الـقـلـق باديـا عـلى وجهه، ولـكـن الله تعالى لـم يأذن له بـعـد ولـكل أجـل كـتاب، وكأن الله تعالى يـقـول له: إنـني أعـلـم تـقـلب وجـهـك في السـماء، وتـطـلـعـك إلى قـبـلة جـدك إبـراهـيـم ـ عـلـيـه السـلام ـ ولسـت غـافـلاً عـنـك، ولـكـن للأحـكام والشـرائـع أوقات تـنـزل فـيها، لا تـتـقـدم ولا تـأخـر لحـكـمة أعـلـمها، أما الآن فـول وجـهـك إلى شـطـر المسـجـد الحـرام، وولـوا أيها الـمسلـمـون جـميـعـا وجـوهـكم نحـوه، قـال تعـالى:(..فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البـقـرة ـ 144)، وقـال بـعـض: إن الـمـراد بالحـيرة هـي التي وقـعـت له في حـادثة الإفـك إذ تـركـه الله تعالى متحــيراً زمـناً، ثـم أنـزل عـلـيـه ما أنـزل، فـبرأ السـيـدة عـائشة أم المـؤمـنـين ـ رضي الله عـنها ـ فالنبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) قـد يحـتار في أمـر مـن الأمـور ولـكـنه لا يسعه إلا الانـتـظـار لـنـزول الـوحي، كل هـذا مـن جـملة الضـلال الــذي أصاب الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلم)، فأنـزل الله قـوله:(قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ..) (الـبـقـرة ـ 144)، فـتـوجه نحـو الكـعـبة، وقال السـفـهاء مـن الناس وهـم اليهـود :(..مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الـبـقـرة ـ 142)، فـصلى مـع النبي رجـل ثـم خـرج بعـد ما صلى، فـمـر عـلى قـوم مـن الأنـصار في صـلاة العـصـر نحـو بـيـت المـقـدس فـقال: أشـهـد أني صـلـيت مـع رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم)، وأنه تـوجـه نحـو الكـعـبة فانحـرف الـقـوم حـتى تـوجـهـوا نحـو الكـعـبة، (أخرجه البخاري حـديـث رقـم: 390، ج 1، ص 155)، أما قـوله تعالى:(وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) يـعـني: وجـدك فـقـيراً فأغـناك، فـقـد أغـناه الله مـن مـيراث أبـيـه عـبـد الله، وقـد ورث مـنه جـارية وبـعـض الجـمال، وأغـناه الله لصـدقـه وأمانـتـه، بأن رغـب فـيه بعـض أهـل مـكة في أن يـرعى لهـم أغـنامهـم، فـكان يسـترزق مـنها لـقـوت يـومـه، وقــد أراد الله تعالى أن يـربي نبـيه عـلى رعي الغـنـم، حـتى تكـون في قـلـبه الـرحـمة والـرأفـة، فـراعي الغـنـم رحـيـم بـغـنـمه يسـوقها مـن مـكان إلى مـكان، طـلـباً للـماء والكـلأ ويجـبر الـمـكـسـورة ويحـمـل الـمـولـودة، ويـعـالـج الجـرباء، كـما أغـناه الله بتجـارته في مـال خـديجـة ـ رضي الله عـنها ـ فـسافـر إلى الشام فـباع واشـترى ورجـع بـريـح وفـــير، وأغـناه بأن جـعـل زواجـه بها ـ رضي الله عـنها ـ وهي مـن أغـنى أغـنـياء قـريـش، فـجـعـلـت مالها كله تحـت تصـرفه (صلى الله عـلـيه وسـلم) هـذا معـنى قـوله تعالى:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) (الضحى 6 ـ 8)، ثـم إنه لـماذا قال لـه:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) (الضحى 6 ـ 8)، ذلك لأن الله تعالى يـريـد أن يـقـول له: كـيـف يضـيـق صـدرك، وكـيـف تجـزع بـفــترة انقـطاع الـوحي عـنـك، وتظــن أن ربـك ودعـك وقـلاك، وقـد أحـاطـك بـعـنايته وأنـت صـبي يتـيـم، أعـالك مـن فـقـر، وآواك مـن يـتـم، وهـداك مـن ضـلال، وأزال عـنـك الحـيرة التي كانت في قـلـبـك، واخـتـارك لـتـكـون خـاتـم الـرسـل الـكـرام، وأنـزل عـلـيك الـقـران الكـريـم مـعـجـزة ومـنـهـجـاً إلى أن يـرث الله الأرض ومـن عـلـيـهـا، ذلك فـضـل الله عـلـيـك.
وكان النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) يـتـابـع قـراءة جـبريـل ـ عـليه الـسـلام ـ عـنـد ما يـتـلـو الـقـرآن عـلـيه، شـوقاً وحـبـاً وحـرصـاً حتى لا يـفـوتـه شـئ مـمـا نـزل عـلـيه، فأنـزل الله تعالى قـولـه:(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (الـقـيامة 16 ـ 19).
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي