خرافة القوى العظمى ليس عنوان مقال، بل هو كتاب لنانسي سودربرج أحد أهم مساعدي الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون والمستشارة بمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض من 1993 -1996 والسفيرة الأميركية بالأمم المتحدة خلال الفترة من 1997 -2001، وعلى عكس ما يوحي عنوان الكتاب الذي يستشعر منه القارئ أنه يدل على تراجع القوة الأميركية واندثارها شيئا فشيئا، تقول المؤلفة إن الهدف من الكتاب ـ وهذا هو المهم في هذا المقال ـ تصحيح دور أميركا القيادي ومسؤوليتها أمام العالم، حتى تتمكن من مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين المعقدة أكثر من أي وقت في التاريخ البشري، والكتاب في مجمله ما هو إلا محاولة لتقييم السياسات الأميركية خلال فترة الرئيس الأسبق كلينتون، وتقديم نصائح لرؤساء الولايات المتحدة المقبلين للاستفادة منها في عملية صنع القرار التي تعتبرها المؤلفة صعبة ومعقدة في كثير من الأوقات. وتعتمد الكاتبة في هذا على المذكرات الشخصية التى رفعت عنها السرية وغيرها من الوثائق والمقابلات الشخصية التي تأخذ القارئ إلى ما وراء الكواليس.وعلى الرغم من أهمية الكتاب الذي يغوص كثيرا في عملية صنع القرار داخل المؤسسات الأميركية، ويضعنا على مفاصل تلك العملية، ويوضح لنا كيف يمكننا الاستفادة منها في تحييد إن لم يكن الاستفادة من الإدارات الأميركية المختلفة لخدمة قضايانا العربية والإسلامية، إلا أن المهم ـ من وجهة نظري ـ هو الاستفادة من الفكرة والتي أعتبرها كفيلة بتصحيح العديد من المسارات التي قد تكون خاطئة بالنسبة لبعضنا، فإذا كانت الولايات المتحدة بما تملكه من قوة وقدرة على إحداث التحولات على الصعيد العالمي، لا تخجل من إجراء تقييمات لإداراتها السابقة لوضع اليد على الأخطاء الفادحة التي قد تقع فيها في غفلة من الزمن، تماما مثلما حدث عندما اتخذ الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قرار بشن الحرب على الشقيق العراق بزعم امتلاكها لأسلحة كيماوية وبيولوجية، قبل أن يكتشف العالم كذب هذا الادعاء، إذ من شأن تقييم المواقف والقرارات بل والحكومات والإدارات كذلك أن يساعد في معرفة الأخطاء وتصحيح المسارات.وما تفعله الولايات المتحدة بمنتهى الحرية في هذا الشأن، بدعم من الرؤساء الأميركيين أنفسهم هو سبب قوتها وسر بقائها حتى اليوم، فالكتاب الذي بين أيدينا وبالرغم من أنه ينتقد بعض سياسات الرئيس كلينتون، إلا أن الغريب أن كلينتون نفسه هو من كتب مقدمة هذا الكتاب، ما يعني أن لا أحد يخجل من قراراته ولا يخشى من تقييم سياساته طالما أن الهدف يصب في النهاية في الحفاظ على الدولة وضمان استمرار قوتها وحماية مصالحها على المدى البعيد.لا أحد معصوم من الخطأ وكل نظام أو إدارة تتخذ ما تراه صحيحا من قرارات طبقا للبيئة والظروف التي صاحبت القرار، حتى وإن كان هذا القرار صحيحا، ولكن ما لم يتم تقييم ذلك ومعرفة الصواب والخطأ، فلن يتمكن أحد من تصحيح المسارات المغلوطة، بل سيسير كل شخص وكل قيادة على هدي القرارات السابقة معتقدا أنها الصحيحة، فإدارة الرئيس كلينتون رغم أخطائها كانت من أنجح الإدارات الأميركية في العقدين الماضيين، إذ نجحت في تحسين مستوى معيشة المواطن الأميركي وساهمت في حل العديد من الصراعات الإقليمية والدولية، ورغم ذلك حرص كلينتون على دعم عمليات التقييم التي أجراها بعض أفراد إدارته.لذلك فإن على الأنظمة والحكومات العربية تقييم أداء الحكومات السابقة، وأن تضع يدها على الصواب والخطأ في ممارسات تلك الحكومات، حتى تتمكن من الاستفادة من الأخطاء وسلوك المسار الصحيح، لتفادي الأزمات والقلاقل التي نقع فيها من فترة وأخرى، وأن تعمل على الاهتمام بالوطن والمواطن على حد سواء، للحفاظ على استقرار دولنا العربية ومنع انزلاقها إلى الهاوية، خصوصا وأن القوى العظمى باتت متربصة بنا وتحاول النيل من مقدراتنا وثرواتنا بشتى السبل. د.أسامة نورالدين كاتب صحفي وباحث علاقات دولية [email protected]