(دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (6)الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمـين وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين .. وبـعـد.فـلا زال الحـديـث مـوصولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسـور) يـقـول الله تعالى:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسـراء ـ 9).ولـو أن كل مـن رأى النبي في منـامه، بـني مـقـامـاً أو قـبة لـضاهـت الـمـقـامـات والـقـبـاب بـيـوت كل مـدينـة وقـرية، وبـما أن رؤيـة الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) لـيسـت حـكـراً عـلى فـئـة مـن الـنـاس دون غـيرهـم، وفي مـكان دون مـكان، وفي زمـان دون زمـان، إذا كان الـشـرط يـوجـد عـنـد كل مـؤمـن بالله ربا وبالإسـلام ديـنا وبمحـمـد نبـيا ورسـولاً.وأظـن أنه قـلـما تـوجـد دار لـم يشـاهـد واحـد مـن أهـلها النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) في الـمـنـام، ويـقـول الشـيخ إبـراهـيـم بن عـمـر بـيـوض عـمـيـد الـنـهـضة الإصـلاحـية في مـنـطـقـة وادي مـيزاب:(إني قــد رأيـت في صـغـري النبي ـ صلى الله عـلـيه وسـلم ـ وأبا بـكـر الصـديـق وعـمـر الـفاروق وبـلالاً ـ رضي الله عـنـهـم ـ في داري، وإنني لأتـذكـر تـلك الـرؤيا وكأنـني أراهـا الـيـوم، وقـد مـرّ عـلـيها سـتـون عـاماً، وأذكـر الـمـكان الــذي نـمـت فـيه، والـمـكان الـذي رأيـت فـيه النبي (صلى الله عـلـيه وســلـم) وإذن كان عـلي أن أبني فـيه قـبة أو مـقـاما) (المـصـدر: في رحـاب القـرآن الجـزء الحـادي والعـشرين، تفـسـير ســورة النـجـم).إن الحـقـيـقـة الـمـطـلـقـة لـكل مـعـبـود يـعـبـد مـن دون الله فـهـو مـن عـمـل الـشـيطان، وكل الـمعـبـودات التي يـعـبـدهـا الإنـسان دون الله، فـهـي باطـل ورجـس مـن عـمـل الـشـيطان، فالعـبـادة الحـقـة لا تكـون لـغـير الله، لا للأصـنام ولا للأوثان، ولا للـتـمـاثـيـل التي كـثـير مـن الـنـاس لـهـا عـاكـفـون، فـما هي إلا أسـماء سـميتمـوها أنـتـم وآباؤكـم مـا أنـزل الله بـهـا مـن سـلـطان، فـلـيس لها أسـماء مـطـلـقاً عـلى الحـقـيـقة، لأنها لا أصـل لهـا، وهي في الحـقـيقة بـدون مسـميات، قال تعالى:(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الـكـهـف ـ 110).ومـن الـمعـلـوم أن الاسـم لا يقـع إلا عـلى مسمى، والمسمى شيء يجـب أن يتحـقـق وجـوده يـقـينا قـبـل أن يخـتار لـه اسـم، ثـم يـطـلـق عـلـيه اسـم مـن الأسـماء، بحـيــث يكـون هـناك تـطابـق بـين الاسـم والمسمى، ولـكـن كل الـمـعـبـودات التي ألـهها الـبشـر وعـبـدوهـا، مـنـذ أن خـلـقـوا إلى أن تـقـوم الساعة، لا حـقـيـقـة لها مـطـلـقـاً، ولا أصـل لها أبـداً وكأن الـمـعـبـود هـو اسـم لا وجـود لحـقـيـقـته، وهـذا ما نـعـرفه ونـشاهـده في كل مـكان مـن الـدنـيـا، ولـنـفـهـم مـعـنى الآيـة جـيـداً، قال تعالى:(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الـكـهـف ـ 110).والله عـز وجـل بـعـد أن خـلـق الأرض، وخـلـق الـسمـاوات واسـتـتـب له الأمـر، قال:( وهـو بـكـل شيء عـلـيـم )، أي: لا تغـيب ذرة مـن مـلكه عـن عـلـمه، فهـو عـلـيـم بـكل ذرات الأرض وبـكل أنـواع الخـلـق، وعـالـم بـكل ذرات الـكـون، والـكـون كله وكل تلك الـمخـلـوقات لا تتـفـاعـل إلا بإذنـه وأمـره ومـراده، واقـرأ قـوله تعالى:(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لـقـمان ـ 19).لـقـد ولــد النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) في مـكـة، وبـقي في مـكـة ، ولـم يخـرج منها ألا مـرتـين، خـرج مـرة مـع عـمه أبي طـالب للتجـارة إلى الـشـام، وهـو ابن اثنتي عـشـرة سـنة، وخـرج مـرة ثـانـية في تجـارة للسـيـدة خـديجـة، وهـو ابن نـيـف وعـشـرين سنـة، عـاش في مـكة يسـمع كـفـر قـومه، ويـرى شـركهـم، وكان يـعـتـقـد في قـرارة نـفـسه اعـتـقـاداً جـازماً، بأن هـذا العـمـل وهـذا الاعـتـقـاد الــذي عـلـيه قـومه لـيـس مـن دين الله في شئ، ومـا هـكـذا يتعـبـد الله، وما هــذه شـريعـة أبيـهـم إبـراهـيـم ـ عـلـيـه السـلام.وقال الله تعالى في حـق نـبيه (صـلى الله عـلـيـه وسـلم):( ما ضـل صاحـبـكم وما غـوى) (النـجـم ـ 2)، يعـني: لـم يـكـن صاحـبـكـم (محمـد) ضالّاً عـن الطـريـق أو منحـرفـاً عـن سـواء السبـيـل في يـوم مـن الأيام، سـواء قـبـل الـنـبـوة أو بـعـد الـنـبـوة، أي لـم يـضـل لا في صباه ولا في طـفـولـتـه ولا في شـبابه ولا في كـهـولـته.لقـد كان الصادق الأمـين والهـادي للـمهـتـدين، ولـكـن ماذا قال الله تعالى لـه في سـياق تعـداد مـزاياه وإكـرامه له:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) (الضحى 6 ـ 8).لـقـد بـدأ الله تعالى سـورة الضحى بـقـوله:(وَالضُّحَىٰ، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ، مَا وَدَّعَكَ وَمَا قَلَىٰ) (1 ـ 3)، ذلـك لأن الـوحي انـقـطـع عـن النبي (صلى الله عـلـيـه وسـلـم) فـترة مـن الـزمـن لحـكـمة يعـلـمها الله، فـرأى المشـركـونالـفـرصـة مـتاحـة فـقالـوا: إن رب محمـد ودع محمـداً وقـلاه، يـعـني: تـركه وأبـغـضه، ولـماذا في الـزمـن بالـذات عـرفـوا أن لـمـحـمـد ربـّاً، فـتـمـلك النبي (صلى الله عـلـيـه وسـلـم) قـلـق وحـيرة، وانتابته هـواجـس وأشـجـان، مما كان يـبـلـغه مـن مـقـالة الـمشـركـين، بأن ربه تـركه وتخـلى عـنه... وللحـديث بـقـية. ناصر بن محمد الزيدي