[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]لا يختلف عاقلان أنّ الإعراض عن القراءة يؤخرك عن مسايرة روح العصر، ومعرفة مكامن الحياة وأسرارها كما يعود بك إلى عصور غابرة وقابعة في الجهالة، سواء في مجالات حياتك أو في سلوكياتك.وثمة من يقرأ إلا أنّ في قراءته مضيعة لوقته هو ما يتعارف بتسميتهم (ضحلو القراءة) أي: أنهم يقرأون دون أن يملكون مما يقرأون أدنى منفعة لهم.فالمنفعة هي الفيصل بين جموع القراء، إذ بواسطتها يدرك الفرد ما له وما عليه وبالقراءة يفهم أسباب الأشياء ويتوصل الى حلولها وما ينتج عنها، ولا تتأتى هذه المنفعة اعتباطاً، سوى بالقراءة وإعادة القراءة وفهمها.إنّ كثيراً من الطلبة عندما يتخرجون اليوم من دراساتهم المختلفة يظنون بأنهم بلغوا المراتب العليا من العلوم فيتوقفون عن القراءة بعد بنائهم الأساس الذي به يضعون أولى لبنات حياتهم فيتفكرون في عالم الحياة ويدخلون من أوسع أبوابها، فيهجرون القراءة التي تعزف أوتار الحياة فيتناغم التنظيم وأساس الحياة فتبدأ تدبّ في أوساط حياتهم الإشكاليات ويصطحبون في حياتهم الألم والأوجاع والأسقام لهجرهم القراءة لأنهم لا يتدبرون أمور الحياة بل تمضي الحياة (على البركة) ويُرهن النجاح بالحظ وهو ما نجده اليوم في بعض من أوساطنا الشبابية وما يواجهون من تحديات وعوائق لا تمكنهم من مجابهم الحياة.يخطئ اليوم من يعتقد بأن قراءته من خلال الشاشة الصغيرة لهاتفه النقال تعد كفاية له ومغذية لأرواحه المتعددة (مجازياً)، فأعتقد بأن الإنسان يحمل أرواحاً متعددة، فروح تميل إلى القراءة التخصصية ومن يهجر القراءة التخصصية سيغرد في حياته خارج السرب ويقذف به في بحور لا قعر لها ويرمى خارج المسار، وروح أخرى تميل الى قراءة التاريخ والأدب ومن يهجر هذه القراءات فسيبقى منصتاً أمام الرجال، مستمعاً في المجالس لا يفقه شيئاً يكلّ ويملّ المجالس الثقافية فهذا هو ديدنه ما زال صادّاً عن القراءة، أما الروح الأخرى فهي روح تميل الى قراءة الروايات والقصص ونسج الخيال والواقع ومن يتيه عن قراءتها ويهجر جمالياتها ومحسناتها البديعية فلن يرقى إلى المخزون الكافي من العبارات والمفاهيم، ولن يصل الى المستوى المطلوب من الرصيد اللغوي الذي ينطق بلسانك ويتحدث نيابة عنك متناسين أنّ القراءة غذاء الروح وقوام أخلاق الرجل.إنّ التدفق الكبير لعالم المعرفة والبيانات التراكمية والتوسع العلمي في مجال البحوث والدراسات وتراكم دور النشر وإنتاج الكتب المتعددة المجالات والروايات واطلاق المسابقات العالمية المعنية بتجديد الفكر والمنتجات العلمية والتشجيع على فنون الكتابة كل ذلك الكم الهائل والمتسارع والمتجدد إن لم نستوعب من مجالاته ومعارفه لربما يؤدي بنا إلى تقادم أفكارنا ومعلوماتنا وسيصبح الوقوف على أمر قديم نحمله في فكرنا مدعاة إلى غرقنا في لجج الحياة المتسارعة النمو من هنا يقول الأديب الفرنسي المشهور فولتير:(إنّ القراءة تعظّم النفس)، وإذا كان الأمر كذلك فذاك يعني أنّ تركها يصغّر النفس، ويجعلها عرضة للرّذيلة، فتسقط في الحضيض بعد الرفعة، حتى يصل بها الأمر إلى تبعيّة الآخرين، إذ من انعدم عنده الزاد يضطر إلى التّزود من غيره، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ تقدّم الشعوب ليس نتيجة توفّر موارد طبيعية بقدر ما هو نتيجة ازدهار الموارد البشرية، وكيف تزدهر هذه الموارد بدون القراءة، هذا الفنّ الأدبي الرفيع، الذّي كان ملجئا من ملاجئ أجدادنا، إلى أن قلب الدّهر ظهر المجن، فأصبحنا نطير بأجنحة السابقين.وجب أن ندق ناقوس الخطر على القراءة الضحلة من على قنوات التواصل الاجتماعي والتي بات كيدها أكبر من نفعها فتهافت الناس عليها أدى الى منحها وقتاً طويلاً فاق أوقات العبادات والتربية والمنافع الأخرى فتسارع الناس وتهافتهم على اقتناء أجهزة الهواتف الذكية المتعددة الأحجام وكأنهم أرادوا اختصار أمواج البحر المتلاطمة في عبوة صغيرة جميلة وأنيقة. وعوض أن يتملكوا جنة من نخيل وأعناب وفواكه فضلوا باقة صغيرة من زهور قليلة، وبدأوا في التفتيش عن خيارات أكثر سهولة وأقل كلفة لأوقاتهم الثمينة المهدورة في البحث عن طلاسم جديدة لحياة يتصورون أنّها الأسعد والأجمل.على كل من يقرأ كثيراً سيشعر بالسعادة لا محاله، كما أنه سيقلل فرص الهدر والفقدان في كثير من أوقاته وأمواله وممتلكاته. فالقراءة تشعره بأنه قائد لزمام مجريات حياته فلا ضرر ولا ضرار، وبالقراءة سيقرأ ذاته ويعرف غيره ويدرك ماضيه ويشعر بمستقبله.[email protected]*