[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]
في مطلع شهر شباط/فبراير الجاري، قال وزير خارجية الولايات المتحدة، إن مؤتمر وارسو الذي سيعقد يومي ١٣ و١٤ منه، يهدف إلى التركيز على "تأثير إيران وإرهابها في المنطقة".. ونظرا لاعتراض دول أوروبية على ذلك، تغير النغم، وعقد "المؤتمر الوزاري لتعزيز مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط"، ليناقش "الإرهاب والتطرف، وتطوير الصواريخ وانتشارها، والتجارة البحرية والأمن البحري، والتهديدات التي تطرحها الجماعات العميلة عبر المنطقة"، ولم تُذكَر في الجدول إيران، لكن تركيز معظم الكلمات كان عليها. وشاركت في المؤتمر ستون دولة بينها، من بينها "إسرائيل"، ودول عربية هي: "السعودية واليمن والأردن والكويت والبحرين والمغرب وعُمان والإمارات ومصر وتونس.".. وبعد عودته من وارسو قال نتنياهو لعنصرييه الإرهابيين: ".. لو كنتم حاضرين في المباحثات المُغلقة لسقَطت لِثَّتكم.. من أصل خمسة وزراء خارجية عرب ألقوا خِطبا، تحدث أربعة في صالح حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها حيال العدوان الإيراني.. وقالوا إنه إذا كان النزاع العربي الإسرائيلي في الماضي مركزيا، فاليوم ينبغي قبل كل شيء، إيجاد حل للمشكلة الإيرانية، إذ بدون ذلك لا يمكن حل النزاع.. علينا أن نُري الإيرانيين أننا متحدين ضد فاشيتهم"./ الخبر الرئيس في يديعوت من إيتامار آيختر، في ١٥/٢/٢٠١٩./. في ذلك المؤتمر، وأمام حشد من الدول بلغ ستين دولة، قال نائب الرئيس ترامب مايك بنس: "لا يوجد اليوم تهديد أكثر خطورة من الإرهاب الإسلامي.. ليس لهذا الإرهاب حدود، أهدافه هي الولايات المتحدة، إسرائيل، ودول في الشرق الأوسط وفي باقي العالم.".. هذا الكلام الذي يتهم الإسلام بالإرهاب، لم يلق ردا عليه من أحد، وهذا الافتراء على الإسلام عداء أميركي ـ صهيوني مستمر. وقال بنس أيضا "إن إيران تسعى خلف "محرقة أخرى"؟! أمَّا الوزير بومبيو فقال: "أنت لا يمكنك أن تحقق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط من دون المواجهة مع إيران"./ عن يديعوت أيضا، بتاريخ ١٥/٢/٢٠١٩
أنا هنا لا أدافع عن إيران، ولا أبرئُ ساحتها، ولا أعفيها من مسؤوليات عن أزمات و.. لكن لا يمكنني التجاوز عن حقيقة تصرخ في المدى العالمي منذ عقود من الزمن، وهي أن وراء معظم الأزمات والحروب والكوارث والفتن والإرهاب والشرور، في وطننا العربي، ومنطقتنا، وفي كثير من بلدان العالم، تقف الولايات المتحدة الأميركية، والصهيونية العالمية، وكيان الإرهاب "إسرائيل".. وأقول بملء الصوت إن عدونا الأول، نحن العرب والمسلمين، هو "إسرائيل"، وأن عدو العدل والأمن والاستقرار والازدهار في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي هو من يحمي كيان الإرهاب والعنصرية والاحتلال "إسرائيل"، ويقويها ويشجعها على التوسع والقتل وممارسة الإبادة الجماعية، وعلى العبث بأمن المنطقة وأمن دولها وشعوبها.. وهو من يقف وراء معظم التوترات والأزمات والكوارث والحروب التي تحل بمنطقتنا والعالم.
نعم.. إنَّ عدونا الأول هو "إسرائيل"، ومَن يدعمها على حساب حقوقنا ومصالحنا ووجودنا ليس صديقا لنا بل هو عدوٌّ أيضا. وأتوقف هنا لأقارب حقيقة ثابتة صارخة، أكدها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في افتتاح المؤتمر العربي الأوروبي الأول في شرم الشيخ، يوم الأحد ٢٤/٢/٢٠١٩ الذي تحضره ٤٩ دولة عربية وأوربية، حيث قال: ".. إن "القضية الفلسطينية هي القضية الأم لكل العرب".. أقف لأتساءل: هل قضية فلسطين، القضية الأم لكل العرب، سوى قضية احتلال لفلسطين، وتهويد لها، وتدنيس لمقدسات المسلمين فيها، وتهجير لشعبها، ومحاصرة لمن تبقى من أبنائها فيها، وملاحقتهم ببرنامج إبادة جماعية،" معنوية ومادية، روحية وجسدية"، تنفذه "إسرائيل" ببطءٍ واستمرار، منذ أكثر من سبعين عاما، بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية.. أليس هذا هو العدوان المستمر، وأليس الصهيوني هو العدو للعرب أهل القضية؟! التي لم تجد حلا منصفا، ولا تحركا نحو حل وعدل، ينهيان مأساة شعب طالت، وعدوانا على العرب يتجدد، ويوفران الأمن والسلم، في منطقة يبقى أهلها قيد الاستنزاف، ويبقى الفلسطينيون من بين أهلها، تحت الظلم الفادح، يقتلون ويسجنون، ويوصف دفاعُهم عن أنفسهم بأنه إرهاب، ويعانون تحت سمع العالم وبصره، من دون أدنى رحمة أو شفقة؟! مَن هو عدوُّ أولئك وعدو أمتهم، وعدو قضيتهم، "القضية الأم لكل العرب" الذين يعانون من ذينك الاحتلال والإرهاب، ومن الاستعمار والظلم والنهب، منذ أكثر قرنين من الزمان؟!
بصريح العبارة "عدو العرب الأول هو إسرائيل والحركة الصهيونية، ومَن يدعم ذلك الاحتلال العنصري بكل الوسائل والإمكانيات"، وصديق عدو العرب هو عدوُّ للعرب، حسب منطق العرب.
أمَّا بشأن إيران التي كانت في عهد الشاه بهلوي صديقا وحليفا لإسرائيل، تعترف بها وتتحالف معها، كما فعلت ذلك دول إسلامية منها تركيا.. أقول أمَّا بشأن إيران، فإن تحالف وارسو الذي يقوده ترامب ونتنياهو يستهدفها.. ويريد هذا الثنائي، ترامب ـ نتنياهو، تكوين حلف "ناتو عربي"، أصاب وزير خارجية الاتحاد الروسي سيرجي لافروف في تحديد عائديته ومنفعته، إذ قال يوم الاثنين ٢٥ شباط/ فبراير الجاري، في مؤتمر "التعاون الدولي في عالم مضطرب" الذي عقد في فيتنام تحت رعاية نادي الحوار الدولي "فالداي" والأكاديمية الدبلوماسية لفيتنام: "إن التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط، أو ما يسمى MESA، أو منظمة حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، الذي تحاول إدارة ترامب الآن فرضه على دول الخليج، بالإضافة إلى الأردن ومصر وإسرائيل، بالطبع، هو لصالح الولايات المتحدة واهتماماتها، ولا يمت بصلة لمصالح المنطقة وشؤونها"./ عن موقع روسيا اليوم.
يريد الصهاينة والأميركيون أن يكون هذا الحلف الحربة ورأسها في الحرب ضد إيران بالإنابة عنهم، وهي حرب تستهدف العرب والمسلمين، بمعارك تكون أكثر من طاحنة مدمرة. وهذه حرب أخرى من أجل عيون "إسرائيل" بالدرجة الأولى، فمن أجل عيون الصهاينة سوف يدمَّر كلُّ بلد في المنطقة يريدون تدميره، فيكسبون ويتمددون ويتوسعون، ويكسب الأميركيون ويسيطرون وينهبون.. فبعد العراق وسوريا وليبيا واليمن وأفغانستان، يأتي دور إيران.. وإيران بينها وبين الأميركي والصهيوني عداء مكشوف منذ عام ١٩٧٩، حيث احتل الخمينيون السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا أميركيين رهائن، وطردوا السفير الإسرائيلي من بلادهم، وحولوا مقر سفارة كيان الإرهاب "إسرائيل" إلى سفارة لفلسطين.. وأصبح العداء بينهم مُعلَنا، وقد تفاقم ذلك العداء بعد التطور العلمي والتقني الذي حققته جمهورية إيران الإسلامية،، حيث امتلكت أسلحة متطورة من بينها الصواريخ البالستية، وطورت قدرات نووية للأغراض السلمية.. عندها قررت دولة الإرهاب الصهيوني وضع حد لذلك بوصفه تهديدا لها، كما زعمت، وبدأت العمل على المِلف النووي الإيراني، إلى أن ألغى ترامب الاتفاق الذي وقعته بلاده والدول العظمى الأخرى حول ذلك الملف، وأصبح وثيقة دولية بمصادقة مجلس الأمن الدولي عليه.
وبالتوازي مع التصعيد الذي بدأ منذ ذلك التاريخ، بدأ الأميركيون، بدفع من الصهاينة، تطوير العداء بين إيران ودول المنطقة مستثمرين أخطاء إيران وتصرفات غير مدروسة حيال جوارها العربي.. ومن ثم بدأ العمل على ما يُسمى "حلف ناتو عربي" يواجه إيران، ويخوض حربا بالوكالة عن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، فيبيع الصهاينة والأميركيون السلاح للعرب ويحاربون بهم، ويسيطرون على المال والثروات، ويقيمون وجودا عسكريا متطورا في دول المنطقة، ويرمون عربا بعرب، ومسلمين بمسلمين، ويتاجرون.. وهكذا يدمرون كل الأطراف، ويرتفعون إلى أعلى وأعلى في سلم الجريمة والإهاب والنهب.
في تقديري، إيران لم تكن بريئة حيال جيرانها العرب، العراق، ودول الخليج واليمن وغيرها من بلدان، فهي تسبب الأسباب، ولا تلتفت لما يصيبها ويصيب العرب والمسلمين بسبب تطلعاتها ومشاريعها وأهدافها وممارساتها. والطامة الكبرى، إن وقعت الحرب لا سمح الله، لن تقع عليها وحدها، بل ستصيب دول الخليج والمنطقة أولا بالأرواح والأموال والعمران والثروات، وسيزداد العراق خسارة ودمارا، ولن ينجو المحيط العربي من سوريا إلى لبنان إلى غزة واليمن فمصر، إلى ما لا تعلمون من بلدان.. لن ينجوَ أحد من تلك الكارثة الكبرى "المحرقة الحقيقية" التي سيسببها الصهاينة وأميركيون، ومعهم حلفاء لهم، ومتعاونون معهم، وعملاء وأتباع وأنصاف أتباع، في حربهم القذرة تلك، المستمرة على العروبة والإسلام منذ عقود. والحرب، كما نعلم وتعلمون، تبدأ لكن لا يعرف أحد كيف تتطور، ولا متى تنتهي وكيف.
الأميركي مايك بومبيو، وزير خارجية الدولة العظمى، يتحرك بـ"الريموت كونترول"، بين يدي الثلاثي "ترامب، بولتون، نتنياهو"، ولا يملك إلا أن يركض نحو ما يألفه الأميركيون ويعرفونه جيدا "الحرب العدوانية المدمرة، ونهب الشعوب وفرض التبعية على الدول، من خلال الاحتلال وتنصيب الموالين وتسليمهم مقاليد الأمور، وهم يعرفون جيدا كيف يقفون على أهبة الاستعداد للنهب، كل أنواع النهب، من الذهب إلى النفط".
من أسف وألم نقول إننا لا نتوقع من عرب ولا من إيرانيين كل منهم مأخوذ بتوجهاته بحماسة.. لا نتوقع منهم، وهم مستهدفون جميعا، عمليا ونظريا وعقائديا، بالمخطط الصهيوني ـ الأميركي.. لا نتوقع منهم تصرفا وتحركا تاريخيا، عاقلا عادلا مسؤولا.. كأن يبادروا بشجاعة وحكمة وحنكة، إلى لقاء بينهم ينزع فتيل الأزمة، ويسحب البساط من تحت أقدام دعاة الحروب وتجارها، ولا أن يتعاونوا برشد، لتجنيب شعوبهم وبلدانهم والمنطقة كارثة، يمكن أن تكون أشد وقعا وتأثيرا واتساعا وشمولا وإهلاكا من كل ما شهدته وتشهده بعض دول المنطقة على يد الأميركيين والصهاينة، منذ سنوات وسنوات. ذلك لأنهم يركبون رؤوسهم ويعلنون العداء فيما بينهم، ويطأطئ كثيرون منهم رؤوسا للأعداء ومن في حكمهم، مُجبرين أو منتشين بما يرونه انتصارا في حرب الذات على الذات، وهم يسيرون بشعوبهم في الطريق إلى المسالخ التي لا يعرف العنصريون سواها، وتراهم في الساحات يصهلون ويرفعون الرؤوس تظاهرا الشجاعة في نصرة الحق والدين؟!
على إيران أن تبادر، وأن تغير، وأن تتغير.. ليس بالمفهوم الأميركي لتغييرها، بل بما يطمئن جيرانها الذين يقلقهم ما يقلقهم منها، وبكل ما يتعلق بأخوتها لهم في الدين/الإسلام، والشراكة في الحضارة العربية ـ الإسلامية، والمصير.. هذا إذا كانت تحرص على حسن الجوار، وترغب في خدمة الإسلام والمسلمين، وفي نزع فتيل كل فتنة وأزمة في المنطقة، وتتعايش بأمن وأمان، وأن تلتزم وغيرها بكتاب الله وسنة رسوله، تلك السنة المُشرَّفة التي يحاول جهلاء وأهل غلواء مقيتة النيل منها، تلك السنة النبوية التي لم يخرج الإمام عليٌّ بن أبي طالب، كرم الله وجهه عنها، بل ساهم في حفظها وإغنائها مع الخلفاء الراشدين الآخرين، رضوان الله عليهم أجمعين.. فقد كان عونا لهم، ومستشارا فيهم، وصاحب رأي وكلمة مسموعة، وموقع مؤثر، عزز النهج النبوي الذي يقع في صلب مفهوم السنة. وعلى مسؤولي دول الخليج العربي أن يبادروا من جانبهم إلى ما يرأب الصدوع، ويقرب القلوب، وينزع كل غل، ويوقف كل ميل إلى الصراع والنزاع.. وعلى المسؤولين في الطرفين أن يفكروا بمصير العباد والبلاد، وألا يدمروا ما تبقى من ذلك تدميرا.. فلا منتصر في حرب الأخوة على الأخوة، وحرب المسلمين على المسلمين. والخير كل الخير في مبادرات حكيمة مسؤولة خيرة، تحفظ الإسلام والمسلمين، وتعلي شأن الأخوة والجوار، وتبسط الأمن والسلم، وتحمي الذات والممتلكات.. بدلا من إعلاء كلمة الصهاينة والعنصريين الأشرار. إن الجغرافيا حاكمة، والدين آمر، والمصلحة العليا للجميع تقتضي ذلك، وتأمر به.. وحتى البقاء الشخصي العزيز الكريم، لذوي القرار والأمر والإرادة، رهن بذلك كله.. لأن حمايتهم الحقيقية هي من خلال شعوبهم وتفاهمهم وتعاونهم، وليس من خلال تسليم مقاليد أمورهم لمن يدعي أنه يحميهم، بينما هو يحتل ويبتز وينهب ويقتل ويدمر ويحتل.. و..
في هذه الحرب "إسرائيل" هي التي ستحارب الإيرانيين بعرب ومسلمين، وتحارب العرب بإيرانيين ومسلمين.. ستحاربنا بنا، وتنهب أموالنا جميعا، وتبيعنا السلاح القديم المكدس، لتطور أسلحة فتاكة ترهبنا وتذبحنا وتدمرنا بها.. والولايات المتحدة الأميركية هي التي ستحكِم سيطرتها على مصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية، والثروات.. على البلدان والشعوب والحكومات، عبر مَن يوالونها ولا يوالون شعوبهم وبلدانهم بالقدر الكافي لأدنى إنقاذ ومسؤولية من أي نوع. فلنفكر جميعا إلى أين سيهاجر الناس هربا من الحرب، وفي أي ركن من أركان المعمورة سيجدون مَن يستقبلهم بعد، وبأدنى درجة من درجات الاحترام أو الاكتراث.. الغني منا سيخسر، والفقير منا بائسٌ ويائسٌ، وخاسر، والنكبة ستقع على الأمتين العربية والإسلامية.
نعرف أن هناك دولا محكومة بالضعف، ومحكومة بالقواعد العسكرية، وبالمعاهدات والاتفاقيات، وبالنزوع للأميركي وحتى للصهيوني، ودولا محكومة بالعنتريات والطموحات.. ولكن إلى متى يستمر ذبحنا فُرادى، واستنزافنا فرادى، ونهب ثرواتنا، ورفع رايات انتصار باسمنا على الذات والهوية والدين/الإسلام، وعلى شعوب المنطقة ودولها.. رايات ترفرف نازفة دماءنا وملوحة بخسراننا؟! متى نتعاون جميعا ونتفاهم ونتبادل الثقة بصدق، ونراعي ما لا يمكن تغييره من وقائع مثل الجغرافيا والتاريخ والعقيدة، وما لا يجوز تغييره أو إضعافه أو تشويه قيمه ومقومات "الدين/الإسلام"؟! ومتى ندرك أهمية الثقة المتبادلة والاعتماد المتبادل اللذين لا بد من إقامتهما بيقين وحكمة، على أسس ثابتة، وحقائق الواقع، ومعطيات التاريخ، وشرع الله، ومصلحة مئات ملايين الناس؟!
أليس هناك، في كل المواقع المعنية والمسؤولة والمستهدَفة، من يدرك جيدا أن نتنياهو يمثل الكيان الأكثر عداء للدين والأمة، والعداء للجميع من دون استثناء؟! وأنه يمثل الكيان الإرهابي العنصري الأول في عدائه للأمتين العربية والإسلامية.. وأن الأميركي وأمثاله، وبنفوذ العنصريين والغربيين.. يستهدف الكل، ويفتِّت الكل، ويحارب بدمنا، ولا يخدم إلا "إسرائيل"؟!.. وأنه لا يعنيهم إلا أن يكون العرب والمسلمون في فتنة دائمة متفاقمة، تأكلهم وما يزرعون، وتحصدهم وأجيالهم، وتبقيهم في حال مزرٍ من الفقر والبؤس والتخلف والعداء والاقتتال، والارتماء على من يساند بعضهم بعضا في حربهم المجنونة على أنفسهم، ولمصلحة أعدائهم؟!..
إنني أصرخ، وأصرخ، وأصرخ بملء الصوت: "أليس فينا، وبين مسؤولينا، ومرجعياتنا، أكثر من ألف رجل رشيد، يجنبون الأمة والمنطقة الكوارث الماحقة، ويرأبون الصدوع بعد الصدوع، ويمشون تحت راية الأمن والسلم والعدل بتقوى الله وحب الوطن.. تلك التي لن يصنعها إلا أبناء المنطقة بأنفسهم ولأنفسهم، استنادا منهم إلى الإيمان الحق، والثقة، والمحبة، والعمل بما يوجبه الدين، وحسن الجوار، وتجنيب البلاد والعباد كل أنواع الكوارث والجرائم والمعاناة والإفلاس الفكري والروحي والأخلاقي، وكل أنواع الخُسران والبَوار؟!
ألا استيقظوا، واستيقظوا.. إنهم يعدون لنا المحارق، ويتهموننا بها، وقد بلغ الأمر حد الفتون المجنون الذي يقود إلى التهلكة والكارثة، ولا نجاة لمن يجعل شعبه وبلده كبش فداء لذاته، وسلَّما لنجاته بذاته وصفاته ومكانته وممتلكاته.. إن الصهيوني هو عدونا الأول، الصهيوني هو عدوكم/عدونا الأول، هو عدوكم/عدونا الأول.. قاتل شعبنا، ومحتل أرضنا، ومدنس مقدساتنا، والمتآمر علينا.. وهو اليوم يعربد على هواه في الديار، يشعل النار، وينتهك المقدسات، ويستبيح المحرمات، ويحاصر الملايين، ويقتل الصغار والكبار، ويسخر من الجميع، ويتمدد ويتوسع ليل نهار، ويكذب فيصدقه من يلدغ من الجحر ألف مرة ولا يتعظ، ويبقى يستسيغ اللدغ واللطم والسم، ويسوغ ذلك.. وفي أعماق ذاته ومن حوله يفتك الداء بالإرادة والسيادة والمكانة والكرامة والعبادة، يفتك بالناس وبالأخلاق والقيم والشِّيم… ألا فليستيقظ ما بقي من وعي وإيمان وعقل ووجدان وزعامة وشهامة فينا.. ألا ولْيعِ كل منا معنى الانتماء للعروبة، وحمل رسالة للإسلام، ويدرك معنى الجوار، ومعنى الأخوة في الدين والشراكة في المصير، وفي الشرط الإنساني والمصير الإنساني.. وفعل الخير للقريب قبل البعيد، وللبعيد بحكمة الإنسانية وحكمها.. ألا ولْيدفَع الكل عن الكل نارا في هذه المنطقة، وقودها الناس والنفط والحجارة، تأتي على ما تبقى في هذه الديار من كرامة وشهامة ووجود وحضارة.
أيها السادة الكبار.. لن يصغُر منكم أحدٌ مدَّ يده للآخر بمودة، ولا إن هو قابله في منتصف الطريق إلى الوفاق والاتفاق، من أجل شعبه وبلده ودينه ومصالح بلاده وآمن المنطقة كلها، ومن أجل الأمن والسلم والإنسان.. ومن المؤكد أنه لن يمنعه من ذلك مانع إذا جد وقصد، لا سيما حين يكتشف أن حد السكين صار على المذبح، ويحز حَزَّا في العنق، وأنَّ شعبه هو في الضحايا، فضلا عن مصالحه ومصالح أمته التي إلى نهب وضياع.. إنه لن يصغُر، بل سيرتفع ويرتفع ويرتفع.. قد ينتصر وقد لا ينتصر، ولكنه حتما سيفتح الطريق إلى النصر، ويعبِّدَ الدرب إلى الاستقلال والكرامة والمروءة.. وحتى لو خسر غبار الدنيا، فإنه سيربح تِبر الدنيا والآخرة، بنظر شعبه والعالم، وبنظر من أعلى شأن الشهادة والجهاد الحق، دفاعا عن الوطن والعدل والحرية والإنسان، وعمَّا تعرفون مما لا يجوز تكراره على مسامعكم. إن التحرر موقف، والحرية قدر الإنسان، والارتماء نحو الأسفل سقوطٌ لن يرفع الرأس حتى لو شدها صاحبُها بأمراسٍ وأمراس، وغزا الفضاء بنظراته ورؤاه.. ألا أفيقوا.. أفيقوا.. إن التَّهلكة الروحية والمادية تكمن في الغفلة، في الطغيان، في النشوز إلى الاستفزازي من القول والفعل، ثم إلى الدموي في الساحات.. إنها تكمن فيما تخرصون، وفيما تدبرون وتديرون من قوة ترتد في نحوركم/ نحورنا، وفي طموحات تغزو سُباتِكم، ولهوكم، وتكمن في عنجهية طاغية، وتبعية طامية، وغلوِّ مقيت.. في التمادي بالتعادي، وفي الارتماء بأحضان الأعداء الذين تحسبونهم أصدقاء، وتتحالفون معهم ضد أنفسكم ودينكم وشعوبكم ومصالحكم.. ألا وأفيقوا فقد بلغ السيل الزُّبى.. وارشدوا وعودوا إلى الله، وإلى حقائق الإيمان بالدين الإسلام.. والإسلام واحد، بلا طوائف ولا مذاهب.. كتاب الله جامع، وهو فوق الجميع، ودعوة رسول الله ماثلة بيننا: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".. ارفعوا الصوت عاليا: ".. فلُنتحد جميعا ضد عدونا، وضد العدوان والإرهاب والعنصرية، ولنحرر أنفسنا وأوطاننا من سلطة أعداء العروبة والإسلام، أعداء الإنسانية والعدل.. إن الحق معنا.. الحق معنا، فنحن ندافع عن أنفسنا، وندفع عنا العداوة والعدوان والذل والموت والاحتلال والاستعمار، ونعمل على استعادة حقنا في الحياة، وحقنا في تحرير أرضنا، وحفظ ثرواتنا، والدفاع عن مصالحنا.. فمنذ مئة من السنين على الأقل، ونحن لم يصلنا حق من حقوقنا، ونُقتَل ونُنْهَب ليل نهار، نتيجة تفرّقنا وتبعيتنا وتآمرنا بعضنا على بعض.. فإلى متى نبقى ضائعين مُضيَّعين مُضيِّعين، وإلى متى نخوض حروبا بالوكالة عن أعدائنا ولصالحهم، ضد أنفسنا وإخوتنا ومصالحنا، حروبا ندفع ثمنها أرواحا وأموالا ودمارا وتخلفا.. ونخسر ثرواتنا، وتتقلص سيادتنا، ويزداد نهب أموالنا وخيراتنا، ومن ثمَّ نُهيَّأ لحروب أخرى بالوكالة عنهم، ونعد لها بشراء ما ينسقونه من سلاح، نقتل به بعضنا بعضا، ويُحَرَّم علينا أن نخوض به حرب تحرير لفلسطين، أرض الآباء والأجداد.؟!
ألا فلنستيقظ، ولنرفع النير والسيف عن رقابنا.. وكفانا.. كفى.