[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/10/godamorsi.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]جودة مرسي [/author]
انتشرت في الأيام القليلة الماضية صورة تجمع فنانتين معتزلتين في إحدى المناسبات بأحد الأسواق التجارية وهما خالعتان الحجاب بعد أن ارتدياه قرابة الربع قرن، والمثير أن الفنانتين بلغن من العمر السبعين عاما، بما يتنافى مع ما نعتقده في محاولة البحث عن حسن الخاتمة قبل أن نُحاسب، ولن نخوض في هذا كثيرا لأن له علماء دين أعلم بأموره الفقهية والشرعية، كما وأن هذا لا يعني أيضا هجوما على المسلمة غير المحجبة، وكل إنسان مسؤول عن نفسه في تصرفاته وسلوكياته، خصوصا في الملبس أو الاعتقاد، وتحديدا في أمر ارتداء الحجاب أو خلعه، مع تسليمنا بأن حجاب المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف بإجماع علماء الأمة بمُحَدِّثيها، والتأكيد بالبعد عن أي مقارنة أخلاقية أو الولوج إلى عمق البيئة الفكرية ومد البصر لجوهر ارتداء الحجاب من عدمه.
لكن اللافت أن من يزعمون الإيمان بالحرية في اختيار الإنسان لفعل ما يريد بشرط عدم الإساءة للآخرين، هم الأكثر محاولة لفرض رؤيتهم بالقوة، ويدَّعون أنهم الطبقة المثقفة أو النخبة التي تسمو فوق المجتمع، والتي يجب أن يسير وراءها المتلقي، ويمنحون أنفسهم حق الوصاية على الآخرين، ولكي تثبت بعض المدعيات ـ لأنفسهن وللآخرين ـ أنهن مستنيرات يقفن ضد ثوابت المجتمع حتى وإن تعارضت أفعالهن مع الدين والعقيدة.
ويتطابق هذا مع ما نشاهده في هذه الآونة من دعاية إعلامية غير مسبوقة لكتاب "خالعات الحجاب والنقاب ـ الثورة الصامتة" والذي تدعو من خلاله الكاتبة دينا أنور إلى خلع الحجاب، والذي يحتوي غلافه على صور لفنانات خلعن الحجاب، وتعتبر المؤلفة أنه يسيء لمن ترتديه، فصورت ناشطات وهن يخلعن الحجاب، ويقمن بإلقائه على الأرض، والإطاحة به في الهواء.
هناك دلالات بأننا أمام عمل ممنهج يتم التلويح به بين فترة وأخرى، حتى أصبح له موسم يسمى "موسم الهجوم على الحجاب"، يتم خلاله الزج بفنانات كن محجبات وخلعنه، وتصويرهن على أنهن القدوة الحسنة لبقية نساء العالمين، ويجب الاقتداء بما يفعلنه في سائر أمورنا الحياتية على اعتبار أنهن حاملات راية التنوير، ورائدات الحرب من أجل الحرية لتكسير القيود المفروضة عليهن.
هناك من يريد أن يفرض علينا نمطا ثقافيا واجتماعيا معينا بداعي "الحرية"، ولم يجد هؤلاء إلا محاربة الحجاب والمحجبات للتعبير به عن حريتهن، على اعتبار أن الممثلة أو المذيعة التي ارتدت الحجاب ثم خلعته هي القدوة لنسوة الأرض، وأنه على بقية بنات حواء أن يلغين عقولهن مهما بلغن من العلم والدراسة والخبرة في شؤون الدين والأخلاق والطب والتكنولوجيا والاقتصاد وغيرها من العلوم، وأن تنضم النساء إلى سرب الفنان في موسم "الهجوم على الحجاب".
ودعما لهذه النمذجة، يتم تشغيل الآلة الإعلامية لدعمها، فتكيل الفضائيات منها قدر المستطاع لتعبئة الساعات الشاغرة، وتملأ الصحف (الصفراء) أوراقها ومساحاتها لجذب الجمهور وزيادة التوزيع، لأن المجتمع أكثر شغفا بتتبع أخبار الفنانات، وبالطبع يدعمهم عدد من الكتاب المؤهلين للتبرع بجل أوقاتهم وأفكارهم لنشر هذا المنهج وتعزيز النمذجة الجديدة عبر "اعاءات" الثقافة والحرية، في المقابل تمارس الآلة تعتيما ضد كل ما يناقض فكرة خلع الحجاب، وكأنه ليس من الحريات، فعلى سبيل المثال لم نشاهد أو نقرأ شيئا عن الاستطلاع الذي أجرته الفنانة المعتزلة أمل حجازي حول الحجاب، والذي كانت نتيجته أن 88% يرون وجوب تحجب المرأة.
إذ أقر بفرضيته الدينية، ولا أمانع أن يدخل ارتداؤه نطاق الحرية الشخصية، فإني أرى أن دخولنا موسم الهجوم على الحجاب ـ خصوصا في هذه الفترة ـ قد يكون الهدف منه صرف النظر عن مطالب للحرية أكبر وأشمل، بل وقد تكون إحدى سلاسل الحرب على الدين.
الشكوك في مغزى انطلاق موسم "الهجوم على الحجاب" له كثير من الدلالات التي تدعو إلى الريبة في أسبابه ـ خصوصا في هذا التوقيت ـ فالعالم يحتفي في فبراير الجاري بيوم الحجاب للعام السابع على التوالي حيث احتفلت النساء في معظم دول العالم به، وسط دعوات للنساء من كل الأديان لارتدائه تحت شعار "التسامح" مما أسهم في ارتفاع نسبة المحجبات.
كما أن تغيير الكونجرس الأميركي لقوانينه من أجل السماح لمسلمة محجبة بدخوله، يشير إلى أن الحرب على الحجاب تدور رحاها في حاراتنا فقط، ففي أميركا يسعى نواب ديمقراطيون لتغيير الوضع القائم منذ أكثر من 180 عاما لدعم إلهان عمر عضوة الكونجرس المسلمة في حريتها بارتداء الحجاب باعتباره حرية شخصية.
ولأننا تعلمنا من الإسلام أنه عندما يكون خرق السفينة هو قمة المعروف، وقتل الغلام هو قمة الرحمة، وحبس كنز اليتيمين هو قمة الوفاء، فعلينا الصبر بما لم نحط به خُبرا؛ وسيبقى الحجاب للمسلمة أو غيرها، وسيزداد ارتداؤه، وأيضا ستظل الحرب عليه قائمة، سواء كانت حرب ضد الإسلام مستترة في الحجاب أو ادعاءً بحريات لم تجد في العقل وجوهره منفذا للإشارة إليه، فارتأت في الشكل وضعا لإثبات استنارة زائفة تشغل بها الآخرين.