منذ أول يوم له في البيت الأبيض والرئيس الأميركي ترمب يلعب على وتر المواطن الأميركي البسيط، وهو يعتقد أن الضغط على الكونجرس الأميركي من خلال عملية الإغلاق الحكومي التي لم يسبق لها مثيل بهذا الشكل في التاريخ الأميركي، سوف تنجح في تحقيق مخططاته خصوصا تلك المتعلقة ببناء الجدار على الحدود مع المكسيك واستكمال ما يعرف بـ"صفقة القرن" وإن كانت خارج الأجندة الرسمية في الوقت الحالي، ولكن يبدو أن عامل الوقت ليس في صالح الرئيس الأميركي الذي يحتاج إلى كل ثانية من أجل تحقيق إنجاز حقيقي يشعر به المواطن الأميركي ويدفعه لإعادة انتخابه مرة ثانية، أما الاستمرار في خلق الأزمات بهذا الشكل خصوصا داخل الكونجرس الأميركي فإن ذلك لن يصب على المدى البعيد في صالحه.
إذ يبدو من خلال المداولات الجارية داخل الكونجرس الأميركي أن الديموقراطيين ليسوا على استعداد للرضوخ لإرادة ترمب التي يرون فيها خطرا ليس على الكونجرس وحسب بل وعلى الولايات المتحدة، ولذلك نلحظ تشددهم وإصرارهم على عدم التنازل إلا وفقا لشروط لا يرغبها ترامب، فهم يحاولون أن يأخذوا مقابل كل بند تتم الموافقة عليه لترامب بندا آخر يصب في صالحهم وفي صالح الشعب الأميركي، وهذه الطريقة في التعامل والتي يغلب عليها فقدان الثقة الكبير بين مؤسستي الرئاسة والبرلمان لن يصب في النهاية في صالح المستقبل الأميركي الذي بات محفوفا بالمخاطر.
فكما هو واضح وصل الصراع بين الطرفين إلى طريق مسدود، وهو ما يجعل من إمكانية التوافق أمرا في غاية الصعوبة، وإن حدث فسيكون في أضيق الحدود، وبما يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من مصالح الشعب الأميركي، إذ أصبح ترامب يمثل خطرا على المؤسسات الأميركية ولا يمكن التساهل مع طريقة إدارته للأمور في الولايات المتحدة ولا حتى خارجها.
فعلى الرغم من رفض العديد من القادة الأميركان قرار ترامب الانسحاب من سوريا بهذا الشكل المفاجئ وغير المتوقع، أصر ترامب عليه دون أن يبالي بمطالب أميركية ـ إسرائيلية بالبقاء، ولما قد يسببه ذلك من صراع بين مختلف الأطراف التي تحاول أن تحل محل الأميركي، وهو ما قد يتسبب في إعادة إشعال الصراع هناك من جديد.
لذلك قد يصبح أمام ترامب عدة بدائل خلال الفترة المتبقية له في البيت الأبيض، الأول يتمثل في تصعيد الخلاف مع الديموقراطيين بالشكل الذي يعقد الأمور ويشل الحياة في داخل الولايات المتحدة، متحملا النتائج الكارثية التي قد تترتب على ذلك، وباعتبار أنها معركة تكسير عظام يكسب فيها الأقوى والأكثر قدرة على تحمل التبعات، أما البديل الثاني فيتمثل في محاولته التوافق مع الديموقراطيين بحيث يتم تنفيذ جزء ولو بسيطا من خططه وبالشكل الذي يحافظ على شكله أمام الرأي العام الأميركي، وفي نفس الوقت يساعده في إتمام ما يعرف بـ"صفقة القرن" التي يراهن عليها هو وإدارته اليمينية الحالية، أما البديل الثالث فيتمثل في إعلانه الخروج من المشهد بالكامل بعد أن عجز عن تنفيذ برنامجه الانتخابي بسبب مواقف المؤسسات والكونجرس الرافض لسياساته الداخلية والخارجية على حد سواء.
ولكن نظرا لشخصية ترامب وسياساته المتعصبة وعدم مبالاته بالانتقادات الموجهة لطريقة إدارته حتى من قبل المقربين إليه، يتوقع أن يلجأ ترامب إلى البديل الأول مهما كانت التبعات المترتبة على ذلك، وهو ما قد يوقع الولايات المتحدة في أزمة كبيرة لا يعرف على وجه الدقة كيف سيمكنهم التعامل معها، ولكن في كل الأحوال لا يتوقع أن تصبح الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية في وضع جيد، خصوصا بعد أن فقدت جزءا كبيرا من رصيدها الخارجي، قد تجد صعوبة في استعادته بعد خروج الإدارة الحالية من المشهد، وفي ظل هذا الوضع الكارثي لا يتوقع أن ترى "صفقة القرن" المزعومة النور على الأقل خلال الفترة المتبقية من إدارة ترامب.

د.أسامة نورالدين كاتب وباحث علاقات دولية [email protected]